أثار إعلان وزارة الثقافة السورية عن القائمة القصيرة للنصوص المرشحة لتكون النشيد الوطني الجديد موجة واسعة من الجدل والانتقادات، خاصة بعد أن تبيّن أن أحد النصوص المرشحة شارك في تأليفه وزير الثقافة الحالي محمد ياسين صالح، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهامات مباشرة بتضارب المصالح، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مدى شرعية هذه العملية ومدى قدرتها على إنتاج رمز وطني جامع.
فالنشيد الوطني ليس مجرد كلمات تُكتب أو ألحان تُختار، بل هو عقد اجتماعي يختزل هوية الأمة ويعكس وجدانها الجمعي، ومن هنا فإن أي محاولة لفرضه من أعلى دون مشاركة واسعة ستظل عرضة للرفض والانقسام، خصوصاً أن السوريين ما زالوا يعيشون في مرحلة انتقالية تتطلب التوافق أكثر من فرض الرموز.
الإعلامي محمد منصور وصف النصوص السبعة التي أعلنتها الوزارة بأنها فاجعة حقيقية للثقافة السورية، ليس فقط بسبب ركاكة الشعر ونمطيته واستغراقه في تقليدية ممجوجة، بل لأنها تكشف عن أزمة في الذائقة الثقافية داخل المؤسسة الرسمية، وكأننا لم نتربَّ على شعر خير الدين الزركلي وشفيق جبري وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل ونزار قباني.
هذا النقد يعكس شعوراً عاماً بأن النصوص المقترحة لا ترقى إلى مستوى الإرث الأدبي السوري ولا إلى مستوى التحدي الرمزي الذي يمثله النشيد الوطني.
وفي السياق ذاته، شدّد الكاتب السياسي محي الدين اللاذقاني على أن النشيد الوطني ليس لعبة أطفال، بل هو إرث وطني جامع للهوية السورية وطموحات الشعب، ورأى أن قصيدة “في سبيل المجد” لعمر أبو ريشة تصلح كنشيد مرحلي لأنها تحمل قيمة أدبية ورمزية عالية، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام اختيار نص جديد عندما تستقر أوضاع البلاد، مؤكداً أن الشعب السوري بعد أن عانى ما عاناه من “حماة الديار” لا يمكن أن يقبل باستمرار ذلك النشيد، وأن التروي أفضل من الاستعجال.
من جهة أخرى، أشار د. عبد الحق حمادي الهواس إلى أن الوزارة تعمدت إقصاء نصه الذي تقدّم به للمسابقة، مؤكداً أن لجنة التحكيم لم تعرضه أصلاً، ما يعكس خللاً في آليات الاختيار ويثير الشكوك حول نزاهة العملية.
هذا الاتهام يسلط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق بالشفافية والإجراءات، إذ لا يمكن بناء رمز وطني جامع على أساس إقصاء أو انتقاء غير معلن.
وفي المقابل، دعا الإعلامي موسى العمر إلى التمهل لعامين قبل إقرار أي نشيد جديد، على أن يتم ذلك عبر البرلمان، مؤكداً أن “في سبيل المجد” يكفي في المرحلة الحالية، وهو رأي يلتقي مع دعوات أخرى ترى أن الاستعجال في فرض نشيد جديد قد يفاقم الانقسام ويكرس فجوة بين المؤسسة الرسمية والوجدان الشعبي.
أما الحقوقي فضل عبد الغني فقد قدّم مقاربة مختلفة مستندة إلى أدبيات العدالة الانتقالية، حيث شدّد على أن الرموز الوطنية لا ينبغي أن تُفرض على عجل، بل أن تتبلور تدريجياً عبر آليات مؤسسية تشاركية تتيح المعالجة المجتمعية للأثر العاطفي للنزاع وتضمن إشراك أصحاب المصلحة وتراكم توافقاً حقيقياً حول معاني الهوية الوطنية المشتركة.
واستشهد بالنموذج الجنوب أفريقي الذي اعتمد لجنة متعددة التخصصات لصياغة نشيد وطني جامع، مؤكداً أن الشرعية الإجرائية هي استثمار في السلم الأهلي وفي الأساس الرمزي للديمقراطية الناشئة.
هذا الطرح يوضح أن صياغة النشيد الوطني في السياقات الانتقالية ليست مسألة ذائقة فنية بقدر ما هي اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على إنتاج رمز جامع عبر مسار مشروع وشفاف، وأن التعجيل والإقصاء ينذران بتحويل الرمز إلى ساحة تنازع سياسي وإعادة إنتاج الانقسام.
وفي ضوء هذه المواقف، عبّر الشاعر عبد العزيز الصوراني عن قناعته بأن “في سبيل المجد” هو الأفضل، فيما وصف الناشط السياسي محمد السكري المسابقة بأنها انتكاسة ثقافية بسبب ضيق الوقت وسطحية الطرح، بينما اعتبر السياسي عبد الرحمن الحاج أن كتابة النشيد الوطني في مرحلة الانتقال السياسي يجب أن تكون لحظة تأسيسية لبناء ذاكرة مشتركة، وأن تُقر عبر برلمان منتخب، لأن المسائل التأسيسية تحتاج إلى توافق عام وبطء مدروس يتيح التأسيس لرمز جامع لا يثير الانقسام.
إن الجدل حول النشيد الوطني السوري يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالشرعية الرمزية والثقافية في مرحلة انتقالية. فالنشيد ليس مجرد نص شعري أو لحن موسيقي، بل هو عقد اجتماعي يختزل هوية الأمة ويعكس تطلعاتها.
لذلك، فإن أي محاولة لفرضه من أعلى، دون مشاركة واسعة وتوافق مجتمعي، ستظل عرضة للرفض والانقسام. إن التمهل، وإشراك مختلف المكونات، واعتماد آليات شفافة، هي الطريق الوحيد لصياغة نشيد وطني يليق بسوريا المستقبل، ويكون بحق رمزاً جامعاً لا ساحة تنازع سياسي أو إعادة إنتاج للانقسام.






