لم تكن الثورة السورية وليدة اللحظة في آذار 2011، بل كانت تتشكل في رحم القهر منذ عقود. كبرتُ وأنا أستعيد في ذاكرتي مشهداً من طفولتي، حين كان جدي رحمه الله يقف متحسّراً وهو يرى شعارات “حزب البعث” تُكتب على جدران مرفأ طرطوس، وعبارة “البعث طريقنا”. يومها، كنت طفلة أسمعه يردد بحزن: “راحت سورية”.
تلك الكلمات، التي نطقت بها عين القهر، بقيت محفورة في ذاكرتي كأول شرخ في صورة الأمان الزائف التي حاول نظام حافظ الأسد زرعها بيننا.
تغذى وعينا على قصص “الخيانة الكبرى” في الجولان، وكيف تحولت بيوتنا المهدمة هناك إلى مادة “للشحاذة” السياسية والوطنيات الفارغة، بينما الحقيقة كانت تُدفن خلف خطوط الهدنة. كبر الحقد في قلبي وأنا طفلة أرافق والدتي لمباركة خروج معتقلي الثمانينات في مدينتي رأس العين، أسترق السمع لوشوشات التعذيب التي كانوا يروونها بخوف، وكأن جدران البيوت لها آذان.
شهدنا في اللاذقية ومناطق أخرى تغول آل الأسد، حيث كان الواقع صعباً ومخيفاً، وامتزجت حياة الناس بالخوف والقيود. أتذكر حين قرأت رواية “القوقعة” لأول مرة، خلف الستائر الموصدة، وكأنني أرتكب جريمة، لكن الواقع الذي عشته كان أكثر قسوة مما تصورت.
رغم الصعوبات والضغوط المحيطة، ظل حلمي بتحقيق التغيير واقتلاع النظام قائماً، وإن كانت طرق تحقيقه ومواعيده تبدو شبه مستحيلة في ظل الواقع القمعي السائد.
عندما اندلعت ثوراتالربيع العربي في تونس ومصر، بدأت قيود الخوف تنكسر، وفتحت الطريق أمام الحلم بالحرية. أتذكر أول مظاهرة في دمشق، التي شاهدتها على شاشة قناة الأورينت وكأنها حلم جميل، ومن بعدها بدأت سلسلة الانشقاقات البطولية في صفوف الجيش السوري، حيث كان المقدم حسين هرموش أول المنشقين، تلاه العميد رياض الأسعد، وصولاً إلى الرائد ماهر النعيمي.
تحول “سكايب” و”فيسبوك” إلى غرف عمليات للثوار، ومن خلف شاشة الكمبيوتر بدأت رحلتي الصحفية، أوثق القصف، أنقل أنين النازحين، وأحاور المنشقين. عشتُ الثورة بكل تفاصيلها، أحرر الأخبار، أُنتج الفيديوهات، أتواصل مع الثوار والجيش الحر، وأفرح عند سيطرة الجيش الحر على مناطق جديدة، وأبكي عند فقدانها.
ومن بين الثوار الذين تشرفت بالتواصل معهم، رحمه الله، عبد الباسط الساروت، الذي ترك بصمة خالدة في ذاكرة الثورة السورية. ومع مرور الوقت، وبعد صبر ونضال طويل، تحررت سورية، لكننا فقدنا خلال الطريق رفاق درب، من مراسلين ونشطاء دفعوا أرواحهم ثمناً لكلمة الحق.”
اليوم، وأنا أطل على سورية من وراء الحدود، من أرض اللجوء في تركيا، أعلم أن الثورة كانت انتفاضة على عقود من المذلة والقمع. فقدنا مدنًا وأحبّة تركوا في القلب جراحًا لا تُمحى، لكننا استعدنا أصواتنا التي حُجِبت لسنوات طويلة
ذكرى انطلاقة الثورة السورية تضيء الطريق نحو الحرية، وتؤكد أن الطفلة التي استمعت إلى قصص التعذيب في الثمانينيات، والتي اليوم تحمل القلم في الغربة، لم تتوقف ولن تتوقف عن السعي لتحقيق الحلم. فقد تحقق جزء كبير منه بالفعل: عاد المرفأ في طرطوس إلى أحضان الدولة السورية، وغُسلت جدرانه من عبارات النظام البائد مثل “البعث طريقنا”، وأُطلق سراح معتقلون، ووقف القصف، وعاد بعض المحرومين إلى أرض الوطن، حاملين معهم الأمل والكرامة التي طالما انتُزعت.
ومع ذلك، لا يزال جزء آخر من الحلم مؤجلاً، وهو تحرير محافظة الحسكة من سيطرة ميليشيا قسد، واستمرار الظلم والمعاناة لأهلها كما كان الحال في النظام السابق.
سلامٌ على آذار.. سلامٌ على من بدأ، ومن ثبت، ومن سعى على طريق الحرية، رغم كل الصعاب.






