جانب من حارات دمشق القديمة

لم يكن اسمه مكتوباً على لوحٍ في شارع، ولا خُلّدت صورته في تمثالٍ من حجر، لكن مدن الشام القديمة كانت تعرفه جيداً. كان يظهر مع الغروب كما يظهر المؤذن مع الأذان، يحمل عصاه وعلبة الكاز، ويمضي بين الأزقة ليوقظ الفوانيس النائمة على أعمدة الشوارع. كان اسمه الدومري، الرجل الذي جعل الضوء مهنةً يومية قبل أن تصبح الكهرباء عادة.

الكلمة في أصلها تركية، وتعني مُشعل الفوانيس. كانت في الذاكرة الدمشقية وظيفة بلدية بداية، بعد ذلك أصبحت علامة على زمنٍ كامل. فحين كان الليل يهبط على دمشق، لم يكن الشارع يضيء بضغط زرّ، بل بيد رجلٍ يتنقل بين الأعمدة، يفتح صندوق الفانوس الزجاجي، يشعل الفتيل، ويترك خلفه دائرةً صغيرة من الطمأنينة.

 الضوء كان شحيحاً في تلك الأيام. القناديل الزيتية تضيء البيوت، والشموع تتدلّى من حوامل نحاسية، فيما تتكفل الفوانيس البترولية بإنارة الطرقات. وكان الدومري يمرّ قبيل المغرب ليشعلها واحداً تلو الآخر، ثم يعود مع الفجر ليطفئها، كأنه يطوي الليل بيديه ويسلّم المدينة لنهارها.

وقد حفظت مذكرات أبناء دمشق تلك الصورة القديمة. ففي مذكراته يصف السياسي السوري خالد العظم الحياة الدمشقية في زمن ما قبل الكهرباء، حين كانت القناديل الزيتية والفوانيس المصدر الأساسي للإنارة، وكانت الشوارع تعتمد على الفوانيس التي تشعلها البلديات مع حلول المساء.

أما الأديب الدمشقي فخري البارودي فقد كتب مستعيداً ملامح الليل الدمشقي القديم: «كانت شوارع دمشق تُضاء بفوانيس قليلة، وكان الناس إذا خرجوا ليلاً حملوا مصابيحهم بأيديهم، إذ لم تكن الأزقة كلها مضاءة».

وفي موضع آخر يذكر:«مرّ زمن كان يُمنع فيه السير في الليل بلا مصباح، لأن الظلام كان شديداً، وكانت الفوانيس في الطرقات تُضاء على يد الدومري».

هكذا كان الرجل جزءاً من حياة المدينة، يعرف الأزقة كما يعرف خطوط كفّه، ويعرف أيَّ فانوسٍ يخنقه الهواء وأيَّ زجاجٍ يكسوه الغبار. لم تكن مهمته إشعال فتيل فحسب، بل إشعال شعورٍ بالأمان في ليلٍ طويل.

لكن مع مطلع القرن العشرين تغيّر كل شيء. ففي عام 1905 دخلت الكهرباء إلى دمشق مع امتياز شركة الترامواي والنور الكهربائي، وبدأت المصابيح الكهربائية تحلّ تدريجياً محل الفوانيس القديمة. ومع انتشار المصباح المرتبط باسم توماس إديسون، انطفأت مهنة الدومري بهدوء، كأن الضوء الجديد كتب شهادة وفاتها من دون ضجيج.

اختفى الرجل من الشوارع، لكن اسمه بقي في الذاكرة الشعبية. صار «الدومري» استعارة لكل من يشعل نوراً في وجه العتمة، حتى لو لم يحمل فانوساً ولا علبة كاز.

والمفارقة أن دمشق، بعد أكثر من قرن على دخول الكهرباء، تعيش اليوم تجربة مختلفة مع الضوء. فالتقنين الكهربائي الطويل أعاد العتمة إلى كثير من البيوت والشوارع، ودفع الناس إلى العودة لوسائل إنارة بسيطة: بطاريات، شموع، وفوانيس صغيرة تشبه تلك التي كان الدومري يشعلها قبل زمن بعيد.

هكذا تبدو الحكاية اليوم كأنها سيرة ضوءٍ طويل. من يد الدومري التي كانت تشعل الفانوس في المساء، إلى زرّ الكهرباء الذي أضاء المدينة لاحقاً، ثم إلى عتمة التقنين التي تعيد السؤال القديم: كيف يمكن لمدينةٍ أن تحرس ليلها؟

ربما لم يعد الدومري يمشي في شوارع دمشق، لكن صورته ما زالت حيّة في الخيال: رجلٌ يعبر العتمة بهدوء، يفتح صندوق الفانوس، يشعل الفتيل، ويترك خلفه درباً من أقمارٍ صغيرة. وكأن المدينة، في كل مرة يغيب فيها الضوء، تستعيد تلك الخطوات القديمة… وتنتظرها.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top