بينما كانت أوروبا في القرن التاسع الميلادي ترزح تحت وطأة “العصور المظلمة”، حيث كان العلم حكراً على فئة ضيقة، وكانت النساء يعشن في تهميشٍ مطبق، كانت هناك امرأة عربية قيروانية في قلب مدينة فاس تخطُّ بمالها وتقواها دستوراً حضارياً سيبقى خالداً لأكثر من ألف عام. إنها فاطمة بنت محمد الفهرية، الملقبة بـ “أم البنين”، المؤسسة الحقيقية لأقدم جامعة مستمرة في العالم: جامعة القرويين.
من القيروان إلى فاس: رحلة بناء الذات
لم تكن فاطمة مجرد امرأة ثرية ورثت مالاً، بل كانت ابنة فقيهٍ أحسن تربيتها، وهو محمد بن عبد الله الفهري. انتقلت من القيروان (تونس) إلى فاس (المغرب) في عهد الأدارسة، حاملةً معها إرثاً من الوعي والقيم. وعندما رحل والدها وزوجها، لم تنكفئ فاطمة على حزنها، أو تكتفِ بحياة الرفاهية، بل قررت تحويل “الميراث المادي” إلى “ميراث معرفي” لا ينقطع أثره، مجسِّدةً أسمى معاني الاستخلاف والمسؤولية تجاه المجتمع.
الورع في البناء: صيام ثمانية عشر عاماً
ما يميز تأسيس جامعة القرويين (التي بدأت كمسجد عام 859م) ليس ضخامة البناء فحسب، بل “طهارة المنشأ”. تذكر المصادر التاريخية أن فاطمة الفهرية اشترطت ألا يُبنى المسجد إلا بمواد مستخرجة من أعماق الأرض التي اشترتها بمالها الخاص، تحرياً للحلال المحض ومنعاً لأي شبهة قد تشوب هذا الصرح. والأعجب من ذلك أنها نذرت الصيام منذ اليوم الأول لبدء الحفر حتى إتمام البناء، وظلت صائمةً محتسبةً لمدة 18 عاماً، وكأنها كانت تؤسس لفكرة أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالحجر وحده، بل بالروح والصدق والتقوى.
عبقرية الوقف: الاستقلال المالي والسيادة المعرفية
لم تكتفِ فاطمة الفهرية ببناء الجدران، بل أسست نظاماً اقتصادياً عبقرياً كفل للجامعة استمرارها وحريتها العلمية عبر القرون، وهو نظام الأوقاف. لقد خصصت فاطمة، ومعها المحسنون من بعدها، مساحاتٍ شاسعة من الأراضي والدكاكين والحدائق، ليُصرف ريعها حصراً على التعليم، ورواتب العلماء، وإيواء الطلاب المغتربين.
هذا التمويل الذاتي جعل من القرويين مؤسسةً عصية على التبعية؛ فلم تكن المناهج العلمية تخضع لأهواء السلطة أو تقلبات السياسة، بل كانت خزينة الجامعة، في مراحل تاريخية معينة، من الضخامة بحيث كانت الدولة نفسها تقترض منها في الأزمات. بل إن إشعاع أوقافها تجاوز حدود المغرب ليصل إلى دعم المسجد الأقصى في القدس والحرمين الشريفين، مما يجسد مفهوم العدل المالي الذي يجعل من العلم حقاً متاحاً للجميع، لا امتيازاً للأثرياء فقط.
منارة سبقت جامعات أوروبا بقرنين
في الوقت الذي كانت فيه المرأة في أوروبا لا تملك حق التملك أو التعليم، كانت فاطمة الفهرية تضع حجر الأساس لجامعة تسبق بولونيا في إيطاليا وأوكسفورد في إنجلترا بقرنين من الزمان. لقد تخرج من بين جدران القرويين عمالقة غيروا وجه التاريخ، مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، والفيلسوف ابن رشد، والجغرافي الإدريسي، وحتى البابا سيلفستر الثاني الذي نقل الأرقام العربية إلى أوروبا بعد دراسته هناك.
قصة فاطمة الفهرية هي التطبيق العملي لصورة المرأة المسلمة التي تحمل الأمانة وتقوم بدورها في بناء المجتمع ورعاية شؤونه. لقد أثبتت هذه السيدة القيروانية أن المرأة المرتبطة بالله، حين تُمنح العلم والمال، تصبح سنداً لأمة كاملة. جامعة القرويين اليوم ليست مجرد أثر تاريخي، بل شاهد حي على أن امرأة واحدة، بقلبٍ مؤمن وعقلٍ مستنير، يمكنها أن تضيء سراجاً للبشرية لا ينطفئ أبداً.
- ميساء الشيخ حسين






