أحزاب كردية إيرانية مقاتلة المصدر (الحرة MBN(

كشفت تقارير إعلامية نشرتها شبكة CNN أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى اتصالات مع قيادات كردية في العراق لبحث التعاون ضد إيران، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول أهداف واشنطن ومآلاتها المحتملة على المشهد الإقليمي.

هذه الاتصالات، التي تزامنت مع تسريبات عن دعم أمريكي محتمل لفصائل كردية إيرانية، تفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وتثير في الوقت نفسه مخاوف تركيا من تهديدات لأمنها القومي، وهواجس إيرانية من خطر التقسيم، إضافة إلى تساؤلات كردية حول إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة بعد تجارب سابقة لم تكتمل.

بحسب ما نُشر، فإن النقاشات تضمنت أفكاراً لتحريك الشارع الإيراني عبر احتجاجات داخلية في المدن الكبرى، بالتوازي مع عمليات مسلحة من قبل فصائل كردية على الأطراف لإرباك الأجهزة الأمنية الإيرانية وإضعاف قدراتها.

كما طُرحت مقترحات لسيطرة قوى كردية على أجزاء من شمال إيران لتشكيل منطقة عازلة، لكن هذه الطروحات ما زالت في إطار النقاش ولم تتحول إلى التزامات عملية أو سياسية واضحة. تقارير أخرى أشارت إلى دور وكالة الاستخبارات الأمريكية في تسليح بعض الفصائل الكردية بهدف إشعال انتفاضة داخل إيران، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في استثمار المعارضة الكردية الإيرانية كأداة ضغط على النظام الإيراني.

الأحزاب الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، أبدت استعداداً نظرياً للمواجهة لكنها تنتظر ضمانات سياسية واضحة من واشنطن قبل أي تحرك.

هذا التحفظ يعكس ذاكرة التجارب السابقة، حيث يتذكر الأكراد جيداً ما حدث في سورية في مشروعهم الذي كانوا يخططون بشمال وشرق سورية والذي اندثر مع تبدل المصالح الأمريكية، كما أن حلم “كردستان المستقلة” الذي لم يكتمل في العراق بعد استفتاء 2017 جعلهم أكثر حذراً في التعامل مع الوعود الأمريكية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يثق الأكراد بالولايات المتحدة مرة أخرى؟ الإجابة ما زالت معلقة، لكن التجارب السابقة تجعلهم يطالبون بضمانات مكتوبة ودعم ملموس قبل أي خطوة جديدة.

تركيا بدورها تنظر إلى هذه التحركات بعين القلق، إذ تعتبر أن أي توسع كردي مسلح قرب حدودها يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

من وجهة نظر أنقرة، فإن قيام منطقة كردية مسلحة في شمال إيران قد يشكل امتداداً جغرافياً يربط بين أكراد سوريا والعراق وإيران، وهو ما تعتبره خطراً استراتيجياً يهدد وحدة أراضيها ويعزز النزعة الانفصالية الكردية في المنطقة.

ويُعد الملف الكردي أخطر تداعيات أي تفكك محتمل في إيران، إذ تخشى أن يؤدي ضعف السلطة المركزية إلى مطالب بالحكم الذاتي تلهم الأكراد في دول الجوار.

هذا القلق يرتبط بالذاكرة التاريخية التركية، حيث شهدت الأراضي الإيرانية محاولات سابقة لإنشاء كيانات كردية قصيرة العمر، ما يجعل أنقرة ترى في أي انهيار إيراني احتمالًا لإحياء تلك السوابق.

وتزداد المخاوف التركية مع وجود دعم أمريكي وإسرائيلي لتحركات الأكراد ضد إيران، إذ تعتبر أنقرة أن أي توسع كردي مسلح في محيطها يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

ومع وجود دعم خارجي، تخشى تركيا أن تتحول هذه التحركات إلى سرديات عابرة للحدود، تعيد إحياء تجارب سابقة وتفرض عليها تحديات أمنية وجيوسياسية مضاعفة.

كما تخشى تركيا من موجات نزوح واسعة إذا اندلعت مواجهة عسكرية أو انهيار أمني في إيران، بما يشمل أقليات إثنية قد تتجه نحو حدودها، إضافة إلى خطر تسلل عناصر مسلحة عبر الفوضى.

جغرافيًا، تعتبر أنقرة إيران حاجزًا استراتيجيًا يفصلها عن عدم الاستقرار الآتي من عمق آسيا، وأي انهيار فيه يفتح الباب أمام تدخلات دولية وصراعات بالوكالة.

لهذا، تطرح تركيا نفسها وسيطًا بين واشنطن وطهران، ليس دفاعًا عن إيران، بل لتقليل التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى إثنية وجغرافية واسعة، إدراكًا منها أن انهيار إيران سيكون أخطر من مجرد إنهاكها.

لذلك، فإن أي دعم أمريكي للأكراد في إيران أو العراق قد يُفسَّر في أنقرة كخطوة نحو إعادة تشكيل الخريطة الكردية بما يتعارض مع مصالحها الأمنية.

أما إيران، فترى في هذه التحركات خطراً وجودياً قد يقود إلى سيناريو تقسيم الدولة إلى كيانات إثنية ومذهبية.

هذا الاحتمال يثير هواجس عميقة في طهران، إذ أن أي تفكك داخلي سيخلق فراغاً جيوسياسياً خطيراً قد يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد بين قوى إقليمية ودولية، ويعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

وبينما تسعى واشنطن لإضعاف النظام الإيراني، فإن أي تفكك داخلي قد يطلق موجات عدم استقرار تتجاوز حدود إيران لتطال العراق وتركيا والخليج، وهو ما يجعل المعادلة أكثر تعقيداً.

في المحصلة، الاتصالات بين ترامب والأكراد تكشف عن رهانات أمريكية جديدة في مواجهة إيران، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف تركيا من تهديدات لأمنها القومي، وتضع الأكراد أمام معضلة الثقة في واشنطن بعد تجارب مريرة، فيما ترى إيران في هذه التحركات خطراً وجودياً قد يقود إلى تفكك الدولة.

المشهد إذن معقد ومفتوح على احتمالات خطيرة، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع أحلام الأكراد وهواجس الجيران.

والسؤال المركزي يبقى: هل يتحول هذا السيناريو إلى واقع أم يبقى مجرد ورقة ضغط سياسية؟ المؤكد أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوترات قد تعيد رسم ملامحها لعقود قادمة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top