حلويات رمضانية

مع اقتراب موعد الإفطار في شهر رمضان، تشهد الأسواق الشعبية في المدن السورية نشاطاً غير معتاد. تصطف البسطات والأفران الصغيرة، وتتصاعد روائح الزيت الساخن والخبز الطازج في الأزقة، بينما ينتظر الصائمون على موعد مع ثلاث من أبرز الحلويات الرمضانية: الناعم الدمشقي، المعروك، والمشبك. هذه الحلويات لم تعد مجرد مأكولات، بل جزء من التراث الرمضاني الذي يتجاوز حدود العاصمة، ويشكل جزءاً من النشاط الاقتصادي الموسمي في سوريا.

 الناعم الدمشقي: بساطة المذاق وعمق الذاكرة

يُعد الناعم من أشهر الحلويات المرتبطة برمضان في دمشق، ويتميز بقرمشته الذهبية التي تنتج عن قليه في الزيت بعد فرده على شكل رقائق رقيقة. ويُغطى الناعم بعد ذلك بدبس التمر أو العنب ويُقدّم ساخناً قبيل الإفطار.

وتشير موسوعة “التراث الشعبي السوري” الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب إلى أن الناعم يصنَّف ضمن الحلويات الرمضانية التقليدية المرتبطة بأسواق دمشق القديمة، ويعرف تاريخياً بلقب “حلوى الفقراء” لبساطة مكوناته ورخص ثمنه.

ويقول الباحث الدمشقي قتيبة الشهابي في كتابه “دمشق تاريخ وصور” إن عربات الحلويات الشعبية، ومنها الناعم، كانت جزءاً من المشهد الرمضاني في محيط الجامع الأموي والأسواق المجاورة، حيث يزداد الطلب عليها قبيل أذان المغرب، ويتكرر هذا المشهد سنوياً.

المعروك: خبز رمضان في جميع المدن السورية

إلى جانب الناعم، يحتل المعروك مكانة بارزة في مائدة الإفطار السورية. وهو خبز حلو طري القوام يُحشى غالباً بالتمر أو جوز الهند أو القشطة، ويُرش بالسمسم أو السكر.

ورغم ارتباطه بالمشهد الرمضاني الدمشقي، فإن المعروك يحضر في معظم المدن السورية مثل حلب وحمص وحماة واللاذقية والجزيرة السورية، حيث يشكل جزءاً من التراث الغذائي المحلي ويزداد الطلب عليه خلال الشهر الفضيل.

ويوضح كتاب “التراث الشعبي في دمشق” الصادر عن وزارة الثقافة السورية أن المعروك كان يُحضّر منزلياً قبل أن يتحول تدريجياً إلى منتج موسمي تقدمه الأفران، حتى أصبحت رائحته في الأزقة علامة حسية على حلول رمضان.

المشبك: حلويات سريعة في الأسواق الرمضانية

ولا تكتمل الصورة دون ذكر المشبك، الحلوى المقلية التي تُسكب على شكل حلقات متشابكة وتُغمس في القطر. يُعد المشبك من أكثر الحلويات شعبية في عموم المدن السورية خلال رمضان، حيث تنتشر بسطاته في الأسواق ويُقدّم خلال وجبات الإفطار أو السهرات الرمضانية.

 رمضان موسماً للأنشطة التجارية

لا يقتصر دور هذه الحلويات على الطقوس الغذائية فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي. مع بداية الشهر الفضيل، يشهد سوق الحلويات نشاطاً موسميًا يخلق فرص عمل مؤقتة للباعة والحرفيين، وينشط الطلب على الطحين والزيت والسكر والدبس، ما يشكّل دورة اقتصادية موسمية مهمة.

وتجمع هذه الظاهرة بين التراث والاقتصاد، فالناعم والمعروك والمشبك ذاكرة حية وطقوساً اجتماعية تضمن مصدراً دخل موسمي للعديد من الأسر، وتبقى حضوراً ثابتاً في الأسواق السورية كل رمضان، رغم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

 

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top