جبل قاسيون - وكالة الأناضول

عادت أصداء مدفع الإفطار لتدوّي في سماء العاصمة السورية دمشق، مساء الجمعة، بعد انقطاع استمر أكثر من 14 عاماً، في مشهد أعاد إلى الذاكرة واحداً من أعرق الطقوس الرمضانية المرتبطة بالمدينة.

وأُطلق المدفع من ساحة النصب التذكاري للجندي المجهول على سفح جبل قاسيون، بحضور رسمي وشعبي، إيذاناً بدخول موعد الإفطار. وتناقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة للحظة إطلاق القذيفة، التي رافقها تفاعل واضح واحتفاء بعودة هذا التقليد الذي غاب عن المشهد الدمشقي منذ عام 2011.

تقليد متجذر في الذاكرة الدمشقية
شكّل مدفع الإفطار لعقود طويلة علامة فارقة في يوميات شهر رمضان في دمشق. فمع اقتراب غروب الشمس، كان سكان الأحياء الدمشقية يترقبون صوت المدفع الذي يعلن حلول أذان المغرب.
ولم يكن المدفع يقتصر على إعلان موعد الإفطار فحسب، بل كان يُستخدم أيضاً للإعلان عن ثبوت رؤية هلال رمضان في بعض السنوات، ما جعله جزءاً من الطقوس الرسمية والشعبية المرتبطة بالشهر الكريم.
غير أن هذا التقليد توقف كلياً مع اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، نتيجة الظروف الأمنية والقيود المشددة على استخدام الأسلحة من قبل النظام البائد، ليغيب صوت المدفع عن العاصمة طوال سنوات الحرب.

جذور تاريخية تعود إلى مصر المملوكية
يعود أصل مدفع رمضان، بحسب الروايات التاريخية الأكثر شيوعاً، إلى القرن الخامس عشر في مصر إبان العصر المملوكي. وتذكر المصادر أن السلطان المملوكي خوشقدم كان يجرب مدفعاً جديداً، فانطلقت منه قذيفة مصادفةً عند غروب شمس أول أيام رمضان، فظن الأهالي أن ذلك إعلان رسمي عن موعد الإفطار.
وأمام تفاعل الناس مع الحادثة، تقرر اعتماد إطلاق المدفع تقليداً يومياً طوال الشهر. وتطورت الفكرة لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر، حيث ارتبط المدفع باسم “مدفع الأميرة فاطمة” بعد أن دعمت الأميرة فاطمة استمرار العمل به، ووُضع في مواقع مرتفعة مثل قلعة صلاح الدين وجبل المقطم ليصل صوته إلى أكبر مساحة ممكنة.

انتشار واسع في العالم الإسلامي
بعد ترسخه في مصر، انتقل تقليد مدفع الإفطار إلى بلاد الشام والحجاز وشمال إفريقيا، بل ووصل إلى بعض مناطق آسيا الوسطى. وأصبح جزءاً من الموروث الرمضاني في مدن عربية عدة، حيث يجمع بين البعد الديني والرمزية التراثية.
وفي دمشق، ارتبط صوت المدفع بصورة جبل قاسيون المطل على المدينة، ليشكّل عنصراً بصرياً وسمعياً في المشهد الرمضاني، وذاكرة مشتركة لأجيال متعاقبة.

تأتي إعادة إطلاق مدفع رمضان هذا العام في سياق استعادة بعض الطقوس العامة التي توقفت خلال سنوات الحرب، ومحاولة إحياء مظاهر الحياة الرمضانية التقليدية في العاصمة.
وبينما يبقى المدفع رمزاً احتفالياً أكثر منه وسيلة عملية في عصر تنتشر فيه مكبرات الصوت ووسائل الإعلام والتطبيقات الرقمية، إلا أن حضوره يحمل دلالة رمزية عميقة، تعكس تمسك المجتمع بذاكرته الجماعية وموروثه الثقافي والديني.
وهكذا، عاد صوت المدفع ليعلن الإفطار في دمشق كطقس رمضاني ظل غائباً أكثر من عقد، قبل أن يعود ليحتل مكانه في سماء المدينة ووجدان أهلها.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top