رغم الانتشار الواسع للجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية في محافظة درعا، تتصاعد في الأوساط الشعبية موجة من الشكوك والقلق حيال دور هذه الجهات وجدوى عملها الفعلي. فمنذ آذار الماضي، مُنحت عشرات التصاريح الرسمية لمنظمات وجمعيات يفترض أن تُعنى بدعم المتضررين والفئات الأشد فقرًا، إلا أن الأثر الملموس لهذه الأنشطة ما يزال محدودًا، بل شبه غائب، وفق شهادات مواطنين، ما فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول مصير التبرعات وأوجه صرفها.
هذا التناقض بين الخطاب الإنساني المُعلن والواقع المعيشي المتدهور دفع العديد من الأهالي للتشكيك بآليات العمل، والرقابة، ومدى التزام هذه الجهات بالمعايير الإنسانية التي رُخّصت على أساسها.
إحباط وفقدان ثقة
يقول أبو بشار، وهو ربّ أسرة نازحة، إن معاناة الأهالي تتضاعف كلما سمعوا عن حملات جمع تبرعات جديدة دون أن يلمسوا أثرها:
“هل تُمنح هذه الجمعيات التصاريح فقط لجمع الأموال؟ نراهم في المطاعم والفعاليات، بينما لا يصلنا شيء. نحن بأمسّ الحاجة للمساعدة، لكن يبدو أن الدعم يذهب إلى جيوب آخرين”.
هذه الشهادة ليست استثناءً، بل تعبّر عن شعور عام يسود بين الأسر الفقيرة والمتعففة، التي باتت تنظر بعين الريبة لأي نشاط خيري، بعد تكرار الوعود دون نتائج.
أرقام رسمية… وأسئلة أكبر
وفق إحصائية صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية المرخصة في المحافظة 72 منظمة. وإذا أُضيفت إليها الجمعيات الخيرية المُشهرة، فإن العدد الإجمالي قد يتجاوز الضعف. هذا الانتشار الكثيف يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية هذه الكيانات، وقدرتها الحقيقية على إدارة الموارد وتوجيهها نحو المستفيدين الفعليين.
ففي محافظة تعاني من معدلات فقر مرتفعة ونقص حاد في الخدمات، يُفترض أن يكون هذا العدد من المنظمات رافعةً إنسانية حقيقية، لا عبئًا إضافيًا أو واجهة شكلية للعمل الخيري.
وفي تفاصيل أكثر، يروي “يحيى المنصور” وهو أحد أرباب الأسر تجربة مؤلمة:
“أشاهد بعيني رئيس جمعية خيرية يجوب المدن والبلدات لجمع التبرعات، وعندما أسأله عما سيقدمه لأمثالنا، يجيب بلا شيء، محمّلاً قلة التبرعات مسؤولية تلك العزلة عن خدمات الجمعية.”
هذه الشهادات تلقي الضوء على الفجوة بين الوعود والواقع، حيث تظل العائلات المتعففة تبحث عن دعم حقيقي يخفف من معاناتها اليومية.
انعكاس الواقع على الوضع المعيشي
تأثير هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على الوضع المعيشي للمواطنين، حيث تتزايد معدلات الفقر والعوز بشكل ملحوظ. فغياب الدعم الفعّال من المنظمات والجمعيات الخيرية يترك الأسر في وضع صعب، يواجهون فيه تحديات البقاء، مثل تأمين الغذاء والرعاية الصحية. وباتت العديد من العائلات مجبرة على التنازل عن الاحتياجات الأساسية مثل بعض أنواع الطعام والرعاية الصحية، مما ينعكس سلبًا على هذه العائلات. إن استمرار هذا الوضع يعزز من شعور الإحباط وفقدان الأمل، ويبقي المجتمع في دائرة مغلقة من المعاناة.
دعوة إلى مزيد من الرقابة
استجابة لهذه التحديات، طالب المجتمع المحلي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بوضع خطة رقابة أكثر صرامة لضمان شفافية عمل الجمعيات الخيرية والمنظمات كما أشار الأهالي إلى ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال العائلات المتعففة لتحقيق مكاسب مادية شخصية أو لأعمال مشبوهة، وهو ما من شأنه أن يعزز الثقة بين المواطنين والمنظمات بالإضافة للجمعيات ويضمن وصول الدعم للمحتاجين فعلاً.
يتساءل الكثيرون في درعا عن مستقبل هذه الجمعيات ومدى قدرتها على تقديم المساعدة الفعلية. فبينما تُمنح التصاريح لتعلن عن نوايا تقديم المساعدة، يبقى السؤال قائمًا: هل المساعدات تصل فعلاً إلى من هم بحاجة إليها، أم أن هناك معوقات تؤثر على وصول الدعم إلى مستحقيه؟
سؤال مفتوح بلا إجابة
في درعا اليوم، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة:
هل تصل المساعدات فعلًا إلى المحتاجين، أم أن كثرة التصاريح تخفي خللًا عميقًا في إدارة العمل الخيري؟
في ظل الظروف الإنسانية الصعبة، تبقى الجمعيات الخيرية مطالبة بإثبات دورها الحقيقي عبر الشفافية، والعمل الميداني الفعلي، وتحويل الشعارات إلى دعم ملموس. فبدون ذلك، ستظل الثقة مفقودة، وستبقى العائلات المتعففة وحدها في مواجهة معاناة لا تنتهي.
- طلال صياح






