الجولان المحتل

 

يُعدّ الجولان السوري المحتل أحد أهم الأقاليم العربية التي تعرّضت لعملية تغيير قسري شاملة طالت الأرض والإنسان معًا، فمنذ احتلاله من قبل إسرائيل في حرب حزيران عام 1967، لم يقتصر الاستهداف على السيطرة العسكرية، بل شمل تفريغ الجولان من سكانه الأصليين، وتغيير تركيبته السكانية، في محاولة لطمس هويته العربية السورية وفرض واقع ديموغرافي جديد يخدم أهداف الاحتلال.

قبل عام 1967، كان الجولان منطقة سورية مزدهرة سكانيًا وزراعيًا، وبلغ عدد سكانه نحو 130 ألف نسمة، توزعوا على أكثر من 300 قرية وبلدة ومزرعة، وتميّز المجتمع الجولاني بتنوّعه العرقي، حيث شكّل العرب الغالبية العظمى من السكان، إلى جانب وجود التركمان والشركس، فضلًا عن تنوّع ديني شمل المسلمين والمسيحيين والدروز، في إطار نسيج اجتماعي متماسك.

شكّلت العشائر العربية العمود الفقري للمجتمع في الجولان، ومن أبرزها عشائر الفضل، و الهوادجة، والبحاترة، والنعيم، وعجرمة، إضافة إلى عشائر بدوية وشبه مستقرة عاشت في القرى والسهول، واعتمدت على الزراعة وتربية المواشي، وقد ارتبطت هذه العشائر بالأرض ارتباطًا وثيقًا، وكانت تمتلك أراضي واسعة استُثمرت في زراعة القمح والتفاح والكرز وتربية الأبقار والأغنام.

إلى جانب العرب، استقر التركمان في الجولان منذ قرون، وتركّز وجودهم في عدد من القرى مثل عين عيشة، والحسينية، وحفر وغيرها، حافظ التركمان على لغتهم وعاداتهم إلى جانب اندماجهم الكامل في المجتمع السوري، وكان لهم دور مهم في الحياة الزراعية والاجتماعية للجولان.

أما الشركس، فقد استقروا في الجولان خلال أواخر القرن التاسع عشر بعد تهجيرهم من القوقاز، وسكنوا قرى مثل المنصورة وبير عجم، تميّز الشركس بتنظيمهم الاجتماعي القوي، وأسهموا في حماية القرى وتنمية الزراعة، وكانوا جزءًا أصيلًا من الهوية السكانية للجولان قبل الاحتلال.

شكّلت حرب حزيران 1967 نقطة تحوّل كارثية في التاريخ الديموغرافي للجولان، إذ قامت القوات الإسرائيلية بتهجير نحو 90% من سكانه الأصليين قسرًا، بمن فيهم العرب والتركمان والشركس، إلى الداخل السوري، رافق ذلك تدمير واسع للقرى والمزارع، حيث أُزيلت مئات القرى عن الخريطة، ولم يُسمح لأهلها بالعودة، في مخالفة واضحة للقانون الدولي.

لم يتبقَّ في الجولان بعد الاحتلال سوى نحو 6 آلاف نسمة في خمس قرى درزية هي: مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية، والغجر (جزئيًا)، أما القرى العربية والتركمانية والشركسية، فقد دُمّرت بالكامل، وتحولت أراضيها إلى مستوطنات إسرائيلية أو مناطق عسكرية أو محميات طبيعية، في خطوة تهدف إلى تثبيت التغيير الديموغرافي ومنع عودة السكان الأصليين.

ومنذ أواخر الستينيات، شرعت إسرائيل في تنفيذ سياسة استيطانية ممنهجة، فأنشأت عشرات المستوطنات اليهودية في الجولان، وشجّعت انتقال المستوطنين إليها عبر تقديم حوافز اقتصادية وخدمات متطورة، في مقابل فرض قيود صارمة على القرى العربية المتبقية، وفي عام 1981، أقدمت إسرائيل على فرض قوانينها وجنسيتها على الجولان، في خطوة رفضها السكان العرب رفضًا قاطعًا، وأكدوا تمسكهم بهويتهم السورية.

اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على الاحتلال، يشهد الجولان واقعًا ديموغرافيًا مختلًا، حيث يتقارب عدد المستوطنين اليهود مع عدد السكان العرب المتبقين، بينما يعيش عشرات آلاف المهجّرين من أبناء العشائر العربية والتركمانية والشركسية في الداخل السوري، محتفظين بذاكرة المكان وحق العودة إلى قراهم المدمّرة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top