أغلب ما يجري الآن من أحداث داخلية وخارجية في بلادنا يدعو إلى التفاؤل بمستقبل واعد لسوريا ولشعبها الذي أثقله الظلم والفساد لعقود من الزمن.
فها هو العالم يستقبلنا ويفتح لنا الأبواب، بمن فيهم زعيمة العالم الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أغلب دول الغرب والشرق، بما فيهم الدول العربية والإسلامية. لكن ألا تشعرون أن الأمر يدعو إلى الريبة؟!
ففي هذا الخضم الهائل من الانفتاح على العالم، ألا يتوجب علينا التوقف قليلاً والسؤال: ما الذي يحدث؟ ولماذا كل هذا القبول والترحاب من أغلب دول العالم بعد أن كان العالم بالأمس القريب يرفضنا ويقف مدافعاً عن المجرم الهارب وهو يتفرج على آلامنا وقهرنا؟
ما الذي حدث حتى يحصل هذا الانقلاب المفاجئ في مواقف الدول شرقاً وغرباً؟!
هل يمارس العالم معنا سياسة الاحتواء حتى يتمكن من عرقلتنا وتكبيلنا في وقت لاحق؟ وهل نعلم ما الذي تخطط له الولايات المتحدة الأمريكية، سيما ونحن نعيش بالقرب من حلفائها الصهاينة الذين يكيدون لنا ويدبّرون؟
ترى، هل تعتقدون أن العدو الصهيوني سيرضى أن نبني دولة عصرية إلى جواره، تأخذ بأسباب القوة والمنعة؟ قد تبدو هذه الأفكار تشاؤمية تدعو إلى القلق، لكنني أراها محقّة، وهي دعوة مشروعة للحذر والتنبه، فالتاريخ القريب يخبرنا كم من الدول والأنظمة قد وقعت فريسة لكمائن السياسات الأمريكية. ليتنا نعلم الكمائن التي يجهزونها لنا خلف هذه الابتسامات وهذه الحفاوة التي يستقبلوننا بها.
لا أخفي تفاؤلي، ككل السوريين، بمستقبل مشرق وواعد لبلادنا، خصوصاً عندما أرى الزيارات الناجحة والمتلاحقة لفخامة الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني لأهم دول العالم، وأرى الأمل الممزوج بالصبر في عيون السوريين الأحرار على امتداد هذا الوطن، وهم يرقبون وطنهم كيف ينهض بعد كل هذا الدمار والخراب الذي خلّفه الهارب وأبوه.
قد يقول قائل: كيف يجتمع التفاؤل بالمستقبل المشرق مع التشكيك بمصداقية الدول الكبرى التي فتحت لنا أبوابها واستقبلتنا، وسمعنا منها أجمل التصريحات والوعود؟! وهذا سؤال بديهي وجيه. سيبقى التفاؤل بالمستقبل حاضراً، لكن الشك والارتياب إنما هو دعوة إلى الانتباه والحذر المطلوبين في هذه المرحلة الحساسة من مراحل بناء دولتنا الجديدة، فلا تنسوا أن المتربصين من أعداء الداخل والخارج كُثُر ينتظرون فرصة سانحة للإيقاع بنا والانقضاض على مشروع الدولة الفتية التي ما زالت تلملم جراحها وتطوي عهوداً من الظلام الذي جثم على صدور أبناء شعبها لأكثر من ستين عاماً.
إنها دعوة صادقة لمراجعة جميع السياسات والمواقف والقرارات على المستويين الداخلي والخارجي، كي نصل إلى التسديد الناجع والمقاربة الهادئة لأغلب القضايا الشائكة، من أجل أن يكتمل البناء ويكون قوياً وعصياً على التصدع.
عندما نُسيء الظن في الأساسات عند البناء، فإننا حتماً نزيد عمق الحفر حتى نصل إلى الأرض الصلبة التي سنرفع عليها البناء. وإذا زاد سوء الظن لدينا، فإننا سنضاعف كمية الحديد اللازم للتسليح الجيد كي يحتمل البناء ويكون مقاوماً للهزات وحتى الزلازل. إنها سياسة “سوء الظن”، هذه السياسة التي يجب علينا اعتمادها هذه الأيام. رحم الله الشافعي يوم قال:
لا يكن ظنّك إلا سيئاً
إن سوء الظن من أقوى الفِطَن
ما رمى الإنسان في مهلكةٍ
غير حسن الظن والقول الحسن






