جرفات وقوة اسرائيلية في ريف القنيطرة الأوسط خاص جولان

في ٢٥ آب (أغسطس) ٢٠٢٦، أسقط مندوب الكيان الصهيوني، داني دانون، في مجلس الأمن، آخر أقنعة الدبلوماسية. لم يعد بحاجة إلى تبرير الاحتلال بوصفه “دفاعياً” أو “مؤقتاً”. أعلنها صراحة.

الأراضي السورية والفلسطينية المحتلة ليست محتلة في قاموسه. إنها “أرضنا”. والمستوطنون الذين يقتلعون أشجار الزيتون ويهدمون بيوت أهل الجنوب ليسوا مغتصبين. هم “مجتمعات” شرعية.

هنا، في تلك الجملة الباردة التي نطق بها بعيداً عن رائحة البارود في القنيطرة، تجلّى بوضوح ما كنا نخشاه. مصطلح “الاحتلال المشروع” صار إعلان نية مكشوفاً.

لغة تُصاغ في نيويورك لتُسكت ألسنة أصحاب الأرض في جنوب سوريا. هذه اللغة تحوّل الجريمة اليومية التي يعيشها الفلاح هناك.. مع جرافته التي تهدم جدار جده، ودوريته التي تفتش بيته فجراً إلى مجرد “ترتيبات أمنية” تُناقش في قاعات مكيفة.

أهل القنيطرة وحوض اليرموك يعرفون الحقيقة. الاحتلال لا يمكن أن يصبح مشروعاً لأن دبلوماسياً وصفه بذلك. فالأرض تبقى لأصحاب الأرض. والجريمة تبقى جريمة ولو غُلفت بعبارات “التوراة” و”حقوق تاريخية”.

في القانون الدولي لا يوجد ما يشرعن احتلال أرض الغير. الاحتلال، في أبسط تعريفاته القانونية، حالة استثنائية مؤقتة تفرضها ظروف نزاع. يظل خاضعاً لالتزامات صارمة تجاه السكان المدنيين. لا حقاً سيادياً يورَّث.

حين يُوصف الاحتلال بأنه “مشروع”، فالهدف هو صناعة واقع سياسي جديد. واقع يُراد له أن يتحول بمرور الوقت إلى أمر واقع يصعب اقتلاعه.

تماماً كما جرى مع ضم الجولان أحادياً عام ١٩٨١. ضم لم تعترف به دولة واحدة في العالم أجمع سوى الولايات المتحدة عام ٢٠١٩. بقي أهل الجولان أنفسهم، من دون استفتاء ولا اختيار، محكومين بقرار لم يشاركوا في صياغته.

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٤، اتسع النشاط العسكري لقوات الاحتلال في جنوب سوريا. تحول من غارات جوية متفرقة إلى تموضع بري دائم.

مواقع عسكرية أُقيمت داخل المنطقة العازلة وما وراءها. توغلات متكررة في القنيطرة وحوض اليرموك. منازل تُفتَّش. ممتلكات تُدمَّر تحت ذريعة “الأمن”.

وزير الدفاع يسرائيل كاتس أعلن صراحة أن قواته “لن تغادر جبل الشيخ” طالما استمرت “التهديدات”. تصريح مفتوح الأجل. لا يحمل أي أفق زمني لانتهاء الاحتلال.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ذهب أبعد. تحدث عن “مشروع” إقليمي لإعادة رسم الحدود. مشروع يمتد من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى عمق الأراضي السورية. اعتراف نادر بأن ما يجري مخطط توسعي طويل النفس.

وفي مشهد يختصر جوهر هذا التمدد، حاول عشرات المستوطنين المنتمين إلى حركة “رواد الباشان” اقتحام الأراضي السورية جنوباً. طالبوا بإقامة مستوطنات دائمة على أرض ليست أرضهم. استعادة حرفية لسيناريو الجولان قبل نصف قرن. توغل عسكري يمهّد الطريق أمام استيطان مدني. استيطان مدني يتحول لاحقاً إلى “حقيقة” يُطلب من العالم التسليم بها.

أهل الجنوب السوري، الذين لم يهدأ نزيفهم منذ عقود، يرون اليوم أرضهم تُقتطع مجدداً أمام أعينهم. تُختزل معاناتهم في تقارير أممية باهتة وبيانات دبلوماسية لا تحمل عواقب فعلية.

لفهم هذا الاندفاع نحو تثبيت الاحتلال بأي ثمن، لا يكفي تحليل الخطاب الدبلوماسي وحده. يقود البحث إلى هاجس متجذر في الوعي الإسرائيلي الداخلي، يُعرف إعلامياً بـ”عقدة العقد الثامن”.

هذا الهاجس يقوم على قراءة شبه أسطورية للتاريخ اليهودي. وهي قراءة مفادها باختصار أن الكيانات اليهودية الكبرى عبر التاريخ لم تصمد طويلاً بعد عقدها الثامن. تدخل بعدها في دوامة تفكك وشتات متجدد.

مع اقتراب الكيان الصهيوني، الذي أُعلن قيامه على أرض فلسطين عام ١٩٤٨، من عامه الثمانين في ٢٠٢٨، يتصاعد هذا القلق من جديد. يظهر في الصحافة والخطاب الديني والسياسي داخل المجتمع الإسرائيلي.

هذا الهاجس، وإن بدا أقرب إلى النبوءة منه إلى التحليل السياسي، له أثر ملموس على الأرض. تتحول فكرة “البقاء” إلى قضية وجودية مرتبطة بعتبة زمنية رمزية، ويصبح كل تمدد جغرافي جديد مبرراً. وكل “منطقة أمنية” تُقام في جنوب سوريا، وكل مستوطنة تُزرع في أرض محتلة حديثاً، تصبح محاولة لتفنيد النبوءة. محاولة لفرض وقائع يصعب اقتلاعها لاحقاً.

بهذا المعنى، لا يكون مصطلح “الاحتلال المشروع” مجرد غطاء قانوني هش يُصاغ للمنابر الدولية. أنه ترجمة سياسية مباشرة لقلق وجودي عميق يعيشه الكيان. فإذا كان الزوال قدراً تاريخياً متكرراً بحسب هذه القراءة، فليكن التوسع في أرض الجوار، على حساب سكان لا ذنب لهم، وسيلة لتأجيل هذا المصير أو إنكاره.

يعمل مصطلح “الاحتلال المشروع” على مستويين متزامنين. مستوى دبلوماسي يسعى لتحييد الإدانة الدولية وتحويل الاحتلال إلى “ضرورة دفاعية” مقبولة في أروقة الأمم المتحدة. ومستوى نفسي أعمق يحاول عبر التمدد الجغرافي معالجة قلق جماعي من الزوال.

سواء صدر هذا القلق عن قناعة صادقة أو استُخدم أداة تعبئة سياسية داخلية، تبقى النتيجة على الأرض واحدة لا تحتمل التأويل. سيادة سورية منتهكة. أهل جنوب سوريا يعيشون تحت وطأة احتلال يُعاد تسويقه كل يوم بمصطلح جديد. تبقى الأرض أرضهم، مهما بدلوا التسميات، أرضاً لها أصحاب مهما طال الزمن.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top