موقع الكبر شمال سوريا مواقع التواصل

لم يعد ملفا الأسلحة النووية والكيميائية في سوريا مجرد إرث أمني من مرحلة نظام الأسد بل تحولا إلى أحد الاختبارات الأكثر حساسية للعلاقة بين دمشق الجديدة والمجتمع الدولي.
ففي وقت تتحرك فيه السلطات السورية لمعالجة ما تبقى من البرنامج الكيميائي الذي خلّفه نظام بشار الأسد، تذهب وزارة الخارجية أبعد من ذلك في الملف النووي، مطالبة بإغلاق ملف عدم الامتثال، وفي الوقت نفسه بالتأكيد على حق سوريا في تطوير برنامج نووي سلمي.
هذه المعادلة تحمل دلالة سياسية واضحة: دمشق تريد أن تغلق صفحة أسلحة الدمار الشامل في الماضي، من دون أن تتنازل عن حق الدولة السورية في امتلاك التكنولوجيا النووية المدنية في المستقبل.
النووي: إغلاق الملف القديم دون إغلاق المستقبل
تكتسب المطالبة السورية بإغلاق ملف عدم الامتثال أهمية خاصة لأنها تأتي بعد تعاون غير مسبوق بين دمشق الجديدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فالوكالة تمكنت خلال الأشهر الماضية من الوصول إلى مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي السابق، بما فيها موقع دير الزور الذي دمرته إسرائيل عام 2007، كما جرى الكشف عن مواد نووية غير معلنة ووضعها تحت الرقابة الدولية. ووفق أحدث ما أعلنته الوكالة، فإن التحقيق في الأنشطة النووية السورية السابقة أحرز تقدماً كبيراً، مع تأكيد وجود مفاعل نووي كان قيد الإنشاء في دير الزور في عهد النظام السابق.
وهنا تظهر المفارقة السياسية.
إسرائيل دمرت الموقع عام 2007 باعتباره جزءاً من مشروع نووي سري، بينما بقيت دمشق لسنوات تنفي وجود برنامج من هذا النوع وترفض التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي عام 2011 وجد مجلس محافظي الوكالة أن سوريا في حالة عدم امتثال لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات.
أما اليوم، فتقول دمشق الجديدة عملياً: نحن لا نحاول حماية إرث النظام السابق، بل نكشفه ونضعه تحت الرقابة الدولية؛ ولذلك يجب ألا تبقى الدولة السورية رهينة لملف أنشأه نظام لم يعد موجوداً.
وهذا ليس مطلباً تقنياً فقط، وإنما معركة سياسية وقانونية حول هوية الدولة السورية الجديدة.
فالخارجية السورية لا تريد أن تكون نتيجة التعاون مع الوكالة هي مجرد كشف الماضي، بل تريد أن يكون ذلك التعاون نفسه مقدمة لإنهاء حالة عدم الامتثال وفتح الطريق أمام سوريا للاستفادة مستقبلاً من الطاقة النووية للأغراض السلمية.
وتشير المعطيات التي أعلنتها الوكالة إلى وجود نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي في مواقع مرتبطة بالبرنامج السابق، وهو الآن خاضع للمراقبة الدولية. كما أعلنت دمشق أن المواد المكتشفة لا تشكل خطراً وأنها ستبقى تحت حيازة الدولة السورية ضمن منظومة الضمانات الدولية.
لكن الطريق إلى إغلاق الملف لن يكون سياسياً فقط. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية هي التي ستقرر، بناء على عمليات التحقق والأدلة الفنية، ما إذا كانت الأسئلة العالقة قد عولجت بما يسمح بإنهاء حالة عدم الامتثال.
الكيميائي: الانتقال من الإنكار إلى التدمير
الملف الكيميائي يمثل الاختبار الأكثر مباشرة لجدية الدولة السورية الجديدة في التخلص من إرث نظام الاسد
فقد أعلنت سوريا بدء تدمير بقايا من برنامج الأسلحة الكيميائية الذي يعود إلى عهد الأسد، في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها منذ سنوات. وأكدت الأمم المتحدة أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحققت للمرة الأولى منذ عام 2014 من تدمير ذخائر كيميائية في سوريا، بما في ذلك 42 قنبلة جوية، إضافة إلى التعامل مع منشآت إنتاج وتخزين مرتبطة بالبرنامج السابق.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة لأن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كانت قد توصلت إلى أن النظام السابق لم يعلن كامل برنامجه الكيميائي، وأن هناك مواد ومنشآت ظلت خارج الإعلان الرسمي.
وفي مايو/أيار 2026، كشفت فرق المنظمة خلال عملياتها داخل سوريا عن مواد وذخائر كيميائية ووثائق ومعدات لم تكن معلنة سابقاً، الأمر الذي عزز الاستنتاجات السابقة بشأن حجم البرنامج السري الذي تركه النظام السابق.
لكن التطور الأهم ربما جاء في يوليو/تموز الماضي، عندما أعادت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لسوريا حقوقها وامتيازاتها داخل المنظمة بعد تعليقها منذ عام 2021، معتبرة أن السلطات السورية الجديدة حققت تقدماً ملموساً في معالجة القضايا العالقة والتعاون مع المنظمة.
وهذا يعني أن دمشق بدأت تستعيد شيئاً أكثر أهمية من مجرد الحقوق الإجرائية: تستعيد تدريجياً موقعها داخل المؤسسات الدولية.
بين واشنطن وإسرائيل والمجتمع الدولي
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بسوريا.
فالملف النووي السوري سيظل حساساً بصورة خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، التي بنت جزءاً من عقيدتها الأمنية الإقليمية على منع ظهور أي قدرة نووية عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. وما دامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أن الموقع الذي دمرته إسرائيل في دير الزور كان مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، فإن الذاكرة الأمنية الإسرائيلية تجاه الملف السوري لن تختفي بسهولة.
لكن في المقابل، فإن التعاون السوري الكامل مع الوكالة الدولية يخلق معادلة جديدة.
فبدلاً من أن يكون الملف النووي سبباً لضربة عسكرية أو لعزلة دولية، يمكن أن يصبح أداة لبناء الثقة الدولية إذا بقي النشاط السوري محصوراً في المجال المدني وخاضعاً للضمانات الدولية.
وهنا ستكون الولايات المتحدة والدول الأوروبية أمام معادلة دقيقة أيضاً: دعم سوريا في التخلص من إرث الأسلحة غير المشروعة، من دون السماح في الوقت نفسه بظهور أي قدرة عسكرية نووية جديدة.
دمشق، تدرك أن الحديث عن “برنامج نووي سلمي” لن يكون مقنعاً بالتصريحات وحدها. الطريق إلى هذا الحق يمر عبر الشفافية، والرقابة، والتعاون، وإغلاق الأسئلة العالقة أولاً.
إسرائيل تعرقل إزالة الإرث الكيميائي
لكن معالجة الإرث الكيميائي السوري تجري في بيئة أمنية غير مستقرة. فقد أكد المندوب السوري إبراهيم علبي أمام مجلس الأمن أن التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية تعرقل عمليات البحث وإزالة المواد الكيميائية وتهدد الفرق العاملة فيها.
سياسياً، تمنح هذه النقطة دمشق حجة مهمة: فهي تقول إنها مستعدة للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لكن هذا التعاون يحتاج إلى بيئة آمنة تسمح بالتحقق والتدمير.
المعادلة التي تطرحها دمشق واضحة: سوريا مطالبة بالشفافية والمحاسبة، والمجتمع الدولي مطالب في المقابل بحماية مسار التخلص من إرث الأسلحة الكيميائية وعدم السماح للعمليات العسكرية بأن تعرقل هذه المهمة.
من عبء دولي إلى فرصة سياسية
قد يكون أكبر مكسب لسوريا من هذه العملية ليس تقنياً ولا عسكرياً، وإنما سياسي.
إذا نجحت دمشق في إغلاق ملف عدم الامتثال النووي، واستكملت التخلص الموثق من بقايا البرنامج الكيميائي، فإنها ستكون قد أزالت اثنين من أثقل الملفات التي استخدمت لعقود في توصيف سوريا كدولة تهدد منظومة عدم الانتشار.
عندها يمكن لدمشق أن تنتقل من موقع الدولة التي يُطلب منها تفسير ما فعلته في الماضي، إلى دولة تطالب بحقوقها في المستقبل.
معركة دمشق الحقيقية ليست مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بل مع إرث طويل من انعدام الثقة.
فإذا تمكنت الدولة السورية الجديدة من إغلاق الملفات بشفافية، فإنها لن تكون قد تخلصت فقط من بقايا الأسلحة الكيميائية أو من آثار البرنامج النووي السري؛ بل ستكون قد قطعت خطوة استراتيجية نحو إعادة تعريف سوريا داخل النظام الدولي.
وهنا تحديداً ستقرر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والقوى الكبرى، ما إذا كانت صفحة سوريا القديمة قد أغلقت فعلاً، وما إذا كان مسموحاً لسوريا الجديدة أن تبدأ صفحة مختلفة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top