غصّة حقيقية تلك التي تشعر بها وأنت تتابع ما آلت إليه ذاكرة البلاد على الشاشات، فسورية العميقة الغنية تحولت لجغرافيا إلى “خلفيات باهتة” لترند عابر. نرى المنصات أصبحت ملأى بصناع محتوى يتسابقون على تصوير ذات الزوايا المكررة، وكأن تاريخ سورية واختلاف تفاصيلها يتلخص في بقعة جغرافية واحدة أو معالم محدودة تُستهلك بشكل فج. فالمأساة لا تكمن فقط في هذا الاستسهال البصري، بل في عجز هذه العدسات عن النفاذ إلى عمق المحافظات السورية وتنوعها المذهل، ليقتصر المشهد على قوالب بصرية استهلاكية فقيرة تحصر كل مدينة أو محافظة في عدد محدود من القوالب النمطية المحفوظة عن ظهر قلب، مما جعل المتابع العربي يظن أن سورية لا تعدو كونها نسخة مكررة من مشاهد الدراما التقليدية التي رسمت لها صورة أحادية البعد.
حين يفقد التوثيق روحه ويتحول إلى هوس بالانتشار، يصبح التشويه المعرفي هو النتيجة الحتمية. والمؤلم أن أولئك المتصدرين للمشهد اليوم، ممن نصبوا أنفسهم رواة لحكاية الأرض وهم أبعد ما يكونون عن عمقها، يغلقون آذانهم بوجه أي ملاحظة أو تصحيح علمي، محولين الحقائق التاريخية إلى وجهة نظر قابلة للتعديل والتحريف من أجل إرضاء خوارزميات البحث. هنا يعاني الإعلاميون والباحثون الرقميون الحقيقيون من تهميش قسري، إذ يقضي أصحاب الاختصاص أيامهم ولياليهم في تتبع الأثر، وتقاطع الروايات الشفوية، وجمع التفاصيل من مصادرها الأصيلة، ليجدوا أنفسهم متفرجين بينما يتصدر السطح من لا يملك سوى كاميرا وعجلة وراء الأرقام والإعجابات.
الخطر الأكبر اليوم لا يقتصر على تقديم صورة ناقصة أو مشوهة، بل يكمن في ترسخ هذا التشوه ليصبح هو الرواية المعتمدة والبديل الوهمي للواقع في أذهان الأجيال الجديدة والمتابع الخارجي. فتوثيق التاريخ المجتمعي والجغرافي والثقافي ليس مهمة ترفيهية أو مادة خفيفة لتعبئة المساحات الرقمية، بل هو معركة حراسة للذاكرة ضد الاندثار والتشويه المتعمد أو الجاهل. سورية أكبر بكثير من هذا الاختزال، وتفاصيلها في كل مدينة وقرية وبادية لا تلتقطها عدسات عابرة، بل تحتاج إلى عين عارفة، وأمانة مهنية، وقلب نابض بالشغف، يدرك تماماً أن حماية الحكاية من العبث هي المعيار الحقيقي للبقاء ومقاومة النسيان.
وأمام هذا العبث الممنهج بذاكرة الجغرافيا وتاريخ الإنسان، نضع السؤال الأمل على مكاتب المعنيين في المؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية والأهلية: أين موقع الصحفي والباحث المهني اليوم من معادلة حماية التراث الرقمي، وكيف يمكن وضع إطار ومعايير ترعى الجهد التوثيقي الأصيل وتحد من فوضى الاستسهال والتشويه التي تفتك بذاكرة البلاد؟






