لا يبدو التهديد الاستراتيجي لإفشال قيام الدولة السورية واضحاً أمام السوريين المنشغلين بقوت يومهم، وترنداتهم، وقضاياهم “المحقّة”. لكنه يتمثل في تحالفات إقليمية جديدة تشكلت بعد سقوط الأسد، وما رافق ذلك من تغير في الحسابات الدولية تجاه سوريا والمنطقة.
المسألة لم تعد مرتبطة فقط بما يجري داخل الحدود السورية. فالدولة التي تحاول اليوم إعادة بناء مؤسساتها، وتوحيد قرارها الأمني والعسكري، واستعادة سيادتها على أراضيها، تجد نفسها في وسط تنافس إقليمي على شكل سوريا المقبلة ودورها وموقعها.
التهديد الإسرائيلي قائم، ولا يمكن التعامل معه باعتباره ملفاً منفصلاً عن مشروع بناء الدولة. الضربات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، والتوغلات اليومية في القنيطرة ودرعا، والضغط لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، وفرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب، كلها عوامل تضعف قدرة الدولة على تثبيت سيادتها. وقد تصاعد هذا التحدي أخيراً مع دخول العامل التركي والإسرائيلي في مواجهة مباشرة حول شكل الوجود الأمني والعسكري في سوريا.
وهنا تكمن الخطورة الأوسع: أن تتحول سوريا إلى مساحة لتقاطع المصالح الإقليمية، لا إلى دولة صاحبة قرار مستقل، فتركيا تنظر إلى استقرار سوريا ووحدة مؤسساتها باعتبارهما جزءاً من أمنها القومي، وتعمل على توسيع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي مع دمشق، وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى تنامي الدور التركي في سوريا باعتباره تطوراً أمنياً يجب احتواؤه، وهو ما ظهر بوضوح في التطورات الأخيرة حول قاعدة أبو الظهور في الشمال السوري.
ولا يعني ذلك أن التعاون السوري التركي يمثل تهديداً بحد ذاته. على العكس، يمكن لعلاقات متوازنة مع تركيا أن تكون عاملاً مهماً في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأراضي السورية ساحة لتنافس القوى الإقليمية، وعندما تتحول قواعد الاشتباك والوجود العسكري والانتشار الأمني إلى ملفات تقررها عواصم أخرى، بينما تكون الدولة السورية في موقع المتلقي للنتائج.
ينشغل السوريون اليوم ببناء دولتهم وقيامة مؤسساتها من قاع الفساد والمحسوبيات والترهل الإداري، وزاد الطين بلة تخبط الإدارة الجديدة وفشلها في بعض الإدارات ومفاصل القرار، نتيجة عدم وجود كفاءات حقيقية، قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة، وفي المقابل، نجحت الإدارة في مفاصل أخرى، رغم التحديات والصعوبات والتركة الثقيلة التي تسلمت البلاد معها.
هذه المرحلة تتطلب من القيادات، ولا سيما من الصف الثاني وما دون، أن تكون أكثر حرصاً ومسؤولية، فالعبور قدر الإمكان إلى برّ الأمان وبأقل الخسائر يحتاج إلى الاستماع لصوت الناس، والعمل على حل قضاياهم، وعدم تركها رهينة لترند هنا أو ترند هناك.
ولا يمكن ترك الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل على غاربه لكل من هب ودب. السيطرة المطلقة على هذا الفضاء مهمة شبه مستحيلة، لكنها قد تنضبط بأطر وقوانين واضحة، وعقوبات تحد من التجني وإطلاق الأحكام عشوائياً وبث الإشاعات وتغيير المناخ العام بما يقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه.
وعطفاً على ذلك، لا بد من مرحلة وعي تعمل عليها المؤسسات الإعلامية والتوعوية، لندرك جميعاً خطورة المشهد، وخطورة ما يحاك إقليمياً لنا كسوريين، وأهمية بناء دولتنا والحفاظ عليها.
ولا نقول هذا الكلام لنغفل عن جانب مهم، وهو مناصحة القائمين على قيادة البلاد اليوم بالابتعاد عن المظالم، والاقتراب من كرامة الناس، وعدم منعهم من التعبير عن آرائهم وحقهم في العيش حياة كريمة.
فالدولة القوية لا تُبنى بإسكات المجتمع، كما لا تُبنى بتركه للفوضى. بل تُبنى بالعدالة، والكفاءة، والمؤسسات، وسيادة القانون، والقدرة على حماية القرار الوطني.
المطلوب ليس إسكات الناس، ولا ترك البلاد للفوضى، بل السعي معاً للوصول إلى ثقافة وطنية عامة تقوم على الحس الوطني، والحفاظ على سلامة البلاد، والاستماع إلى مطالب السوريين، ومعالجة أخطائهم وأخطاء السلطة في الوقت نفسه.
سوريا أمام مرحلة حساسة، وبناء الدولة لا يكون بالقرارات وحدها، ولا بالشعارات، بل بمؤسسات قادرة، وكفاءات حقيقية، وعدالة تحمي الناس، ووعي يدرك حجم المخاطر الداخلية والإقليمية، وما لم يلتق وعي السوريين مع مسؤولية السلطة، فقد تضيع فرصة بناء الدولة في صراعات لا تخدم السوريين ولا مستقبل بلدهم.






