لم يكن صباح دمشق في ذلك اليوم كسائر صباحاتها. فبدلاً من رائحة القهوة الدمشقية التي تمتزج بأحاديث الرواد وضجيج الحياة، دوّى انفجار هزّ قلب العاصمة السورية، تاركاً خلفه مشهداً يفيض بالألم والذهول. لم يكن ما حدث مجرد حادث أمني، بل جريمة استهدفت مدنيين كانوا يمارسون تفاصيل حياتهم اليومية في مكان اعتاد أن يجمع الناس على اختلاف أعمارهم ومهنهم.
في لحظات قليلة، تحوّل مقهى الحجاز إلى مسرح للمأساة، حيث سقط قتلى وجرحى، وارتسمت على الوجوه ملامح الفقد والصدمة. ووفق المعلومات الأولية الصادرة عن الجهات الرسمية، فإن الانفجار نجم عن عبوة ناسفة، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف ملابساته وتحديد المسؤولين عنه. إن مثل هذه الجرائم لا تستهدف الضحايا وحدهم، بل تستهدف إحساس المجتمع بالأمان، وتضرب قلب الحياة المدنية.
المقهى… أكثر من مكان
لم يكن مقهى الحجاز مجرد مكان لاحتساء القهوة، بل كان ملتقىً لشرائح مختلفة من المجتمع؛ يجلس فيه الموظف إلى جانب الطالب، والمثقف إلى جانب التاجر، ويتبادل الجميع أحاديثهم في أجواء اعتادت أن تعكس نبض دمشق وحيويتها.
ولهذا، فإن استهداف مكان يجسد الحياة اليومية يحمل دلالة تتجاوز حدود الجريمة ذاتها، إذ يسعى الإرهاب إلى زرع الخوف في نفوس الناس، ودفعهم إلى فقدان الشعور بالأمان حتى في أكثر الأماكن اعتيادية.
الإرهاب… عدو الحياة
إن استهداف المدنيين في المقاهي والأسواق والأماكن العامة جريمة مدانة بكل المقاييس الإنسانية والأخلاقية والقانونية. فلا قضية تبرر قتل الأبرياء، ولا يمكن لأي فكر متطرف أن يمنح نفسه حق سلب حياة إنسان أعزل.
الإرهاب لا يفرّق بين طفل وشيخ، ولا بين امرأة ورجل، ولا بين غني وفقير، بل يجعل الجميع أهدافاً لعنف أعمى لا يعرف سوى الدمار وإشاعة الرعب.
دمشق… مدينة تعرف كيف تنهض
عرفت دمشق عبر تاريخها الطويل الكثير من المحن، لكنها بقيت مدينة للحياة والثقافة والتنوع. وفي كل مرة حاول فيها العنف أن يطفئ نورها، استطاع أهلها أن يعيدوا إليها نبضها وإشراقها.
قد يخلف الإرهاب جراحاً عميقة، لكنه لا يستطيع أن يهزم إرادة الشعوب، ولا أن يمحو ذاكرة المدن التي بنتها الحضارة عبر القرون.
مسؤولية أخلاقية وإنسانية
إن هذه الفاجعة تستوجب إدانة واضحة وصريحة، كما تستوجب مواصلة التحقيقات لكشف الجناة وتقديمهم إلى العدالة، بما يحقق الإنصاف للضحايا وذويهم، ويؤكد أن استهداف المدنيين لن يمر دون مساءلة.
كما أن حماية المدنيين ومواجهة الإرهاب مسؤولية مشتركة، تتطلب تضافر الجهود الوطنية والدولية للحفاظ على أمن المجتمعات وصون كرامة الإنسان.
ختاماً
نتقدم بخالص التعازي إلى أسر الضحايا، ونسأل الله الرحمة لمن فقدوا حياتهم، والشفاء العاجل للمصابين، وأن يحفظ دمشق وسائر المدن من كل عنف وإرهاب.
ستبقى دمشق مدينةً للحياة، وستظل إرادة أبنائها أقوى من محاولات بث الخوف واليأس. فالأماكن قد تتضرر، لكن الروح التي تسكنها لا تموت، والذاكرة لا تُمحى، والحياة ستظل أقوى من الإرهاب.






