على أطراف مدينة درعا، يقف مخيم النازحين شاهداً على عقود من النزوح والتهميش وتراكم الأزمات الخدمية التي أثقلت كاهل آلاف العائلات المقيمة فيه، وبين شوارع تعاني من ضعف الخدمات، ومدارس مدمرة وغرف صفية تكتظ بالطلاب، ومطالب متراكمة تتعلق بالصحة والبنية التحتية وحقوق الملكية، ما يزال سكان المخيم ينتظرون حلولاً حقيقية تنقل واقعهم من دائرة الوعود إلى حيز التنفيذ، ويُعد مخيم النازحين بدرعا من أكثر المناطق التي تواجه إشكاليات إدارية وخدمية معقدة، نظراً لتوزع مسؤولية خدماته بين محافظتي درعا والقنيطرة.
ورغم الزيارات الرسمية المتكررة التي شهدها المخيم خلال السنوات الماضية، فإن كثيراً من المطالب التي رفعها الأهالي بقيت معلقة دون تنفيذ، وكان محافظ درعا ومدير تربية درعا قد أجريا في وقت سابق زيارة للمخيم اطلعا خلالها على الواقع الخدمي والتعليمي، وصدرت حينها سلسلة من الوعود المتعلقة بتحسين الخدمات ومعالجة مشكلات المدارس والاكتظاظ الطلابي، إلا أن تلك الوعود لم تنعكس بشكل ملموس على أرض الواقع حتى اليوم، بحسب ما يؤكده أبناء المخيم وممثلوه المحليون.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة المشتركة التي أجراها محافظ درعا أنور طه الزعبي ومحافظ القنيطرة غسان السيد أحمد إلى مخيم النازحين بدرعا بتاريخ 16 حزيران 2026، وسط ترقب شعبي لمعرفة ما إذا كانت هذه الجولة ستشكل نقطة تحول حقيقية في معالجة الملفات العالقة، أم أنها ستضاف إلى سلسلة الزيارات السابقة التي انتهت بوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي حوار خاص مع مؤسسة جولان الإعلامية، كشف الأستاذ أحمد الحموري، عضو المجلس المحلي في مخيم النازحين بدرعا، تفاصيل ما دار خلال الزيارة، وأبرز المطالب التي نقلها الأهالي للمسؤولين، إضافة إلى الوعود التي تم تقديمها والملفات التي ما تزال تنتظر قرارات عملية لمعالجتها.
خدمات وتعليم وملف الملكية العقارية على طاولة النقاش
أكد الحموري أن الهدف الرئيسي من زيارة المحافظين كان الاطلاع المباشر على واقع المخيم وتقييم احتياجاته الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن اللقاءات شملت ممثلين عن الأهالي وأعضاء المجلس المحلي الذين نقلوا أبرز مطالب السكان.
وأوضح أن النقاشات تناولت ملفات الخدمات الأساسية، بما فيها النظافة والمياه والكهرباء، إلى جانب قطاعي التعليم والصحة، فضلاً عن ملف استملاك الأراضي وقضايا تتعلق بثوار عام 2011.
وأضاف أن اجتماعاً موسعاً عُقد مع ممثلي الأهالي، جرى خلاله عرض المشكلات التي تواجه المخيم بشكل مباشر ووضعها أمام المحافظين للاستماع إليها ومناقشة سبل معالجتها.
وعود بزيادة الدعم الخدمي وتحسين واقع المدارس
وحول أبرز المخرجات، كشف الحموري أن المحافظين قدما جملة من الوعود لتحسين الواقع الخدمي، من بينها زيادة مخصصات بلدية الزوية، ورفع عدد عمال النظافة العاملين في المخيم، إضافة إلى رصد دعم لشراء آلية “بوك” لصالح البلدية.
وفي ملف التعليم، أوضح أن المحافظين اطلعا بشكل كامل على واقع المدارس والغرف الصفية الموجودة حالياً، لافتاً إلى أنه تم التعهد بتقديم أربع غرف صفية مسبقة الصنع كحل إسعافي للتخفيف من الاكتظاظ الكبير داخل الصفوف.
وأشار إلى وجود وعود بدراسة إنشاء مدارس جديدة مستقبلاً، خاصة أن الأبنية المدرسية الحالية تعرضت لدمار واسع يجعل إعادة تأهيلها أمراً بالغ الصعوبة، إلا أنه لم يتم حتى الآن تحديد جدول زمني واضح لتنفيذ هذه المشاريع.
الصحة.. وعود بالدعم دون زيادة الكوادر
وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أوضح الحموري أن المحافظين لم يقوما بزيارة المستوصف الوحيد في المخيم خلال الجولة، إلا أن المجلس المحلي طرح أمامهما واقع الخدمات الصحية والنقص الموجود في الأدوية والتجهيزات الطبية.
وأكد أن الوعود تضمنت زيادة الحصة الدوائية ودعم المركز الصحي ببعض الأجهزة الطبية، في حين لا توجد حالياً خطط لزيادة عدد الكوادر الطبية العاملة في المركز.
الكهرباء والمياه.. حلول جزئية ومشكلة الضخ مستمرة
أما فيما يتعلق بملف الكهرباء، فأوضح الحموري أن هناك إجراءات قيد المتابعة لإضافة محولتين كهربائيتين جديدتين بهدف تخفيف الضغط عن المحولات الحالية وتحسين استقرار التغذية الكهربائية داخل المخيم، إلى جانب العمل على إعادة تأهيل بعض الشبكات المتضررة.
وفي ملف المياه، أشار إلى أن المخيم ما يزال يعاني من ضعف كبير في كميات المياه المخصصة له، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان واحتياجاتهم اليومية.
وبيّن الحموري أن الجهات المحلية قامت خلال الفترة الماضية بسحب خط مياه من الخزان الموجود في المنطقة الصناعية باتجاه المخيم في محاولة للتخفيف من الأزمة، إلا أن كميات الضخ الحالية ما تزال محدودة ولا تلبي احتياجات الأهالي بالشكل المطلوب.
وأضاف أن محافظ درعا وجّه في أكثر من مناسبة مؤسسة المياه للعمل على زيادة كميات الضخ المخصصة لخزان المنطقة الصناعية الذي يغذي المخيم، إلا أن الأهالي لم يلمسوا حتى الآن أي تحسن ملموس في واقع التزويد المائي.
وأكد أن ملف المياه يبقى من أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة لسكان المخيم، في ظل تزايد الاحتياجات اليومية واستمرار الشكاوى من ضعف وصول المياه إلى مختلف الأحياء.
بلدية الزوية نقطة التنسيق بين المحافظتين
وحول آلية متابعة مطالب المخيم، أوضح الحموري أنه لم يتم الاتفاق على جدول زمني محدد لتحسين الخدمات، إلا أن المحافظين اتفقا على أن تكون بلدية الزوية الجهة المنظمة لملف الخدمات داخل المخيم، بما يمنع تداخل المسؤوليات بين محافظتي درعا والقنيطرة.
وأضاف أن التنسيق المستقبلي سيكون عبر رئيس البلدية المهندس شأس العفاش، وبمشاركة أعضاء المجتمع المحلي، لضمان متابعة الملفات المطروحة بشكل مباشر مع الجهات المعنية.
ملف الملكية العقارية.. مطلب مؤجل بانتظار قرار أعلى
وفي واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لسكان المخيم، أكد الحموري أن ملف الطابو وسندات الملكية طُرح خلال الزيارة، نظراً لكون آلاف العائلات تقيم في المخيم منذ عقود دون امتلاك وثائق ملكية رسمية.
وأوضح أن هذا الملف يتجاوز صلاحيات المحافظتين ويحتاج إلى قرارات على مستويات حكومية أعلى، إلا أن المحافظين تعهدا بإيصال مطالب الأهالي إلى الجهات المختصة للنظر فيها.
بين الوعود والانتظار
ورغم ما حملته الزيارة من وعود تتعلق بتحسين واقع الخدمات والتعليم والصحة والبنية التحتية، فإن أهالي مخيم النازحين بدرعا ما زالوا ينظرون بحذر إلى هذه التعهدات، مستحضرين تجارب سابقة شهدت زيارات رسمية وإعلانات عن خطط ومشاريع لم تجد طريقها إلى التنفيذ بالشكل المأمول.
وبينما ينتظر السكان نتائج الاجتماعات والمتابعات المقرر عقدها خلال الفترة المقبلة، يبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح الزيارة الأخيرة في إحداث تغيير ملموس في حياة آلاف العائلات التي تعيش داخل المخيم، أم أن ملف الخدمات سيبقى رهينة الوعود المؤجلة؟
ففي مخيم اعتاد أهله على الصبر ومواجهة التحديات، لم تعد المطالب تقتصر على سماع الوعود، بل باتت تتجه نحو رؤية خطوات عملية وجداول زمنية واضحة تعالج مشكلات التعليم والصحة والكهرباء والمياه، وتضع حداً لمعاناة مستمرة منذ سنوات. وحتى ذلك الحين، يبقى المواطن في مخيم النازحين بدرعا بانتظار الإجابة التي لا تقدمها التصريحات وحدها، بل تؤكدها الوقائع على الأرض.
- محمد قنو






