لا يكاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطل بتصريح عن سوريا حتى يكتشف السوريون معلومة جديدة عن تاريخ بلادهم لم يكونوا يعرفونها من قبل. تارة يخبرهم أن ولي العهد السعودي اتصل به شخصياً وطلب رفع العقوبات عنهم، وتارة يوحي أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو من حسم الأمر بمكالمة هاتفية، وفي مرة أخرى يعلن أنه هو ووزير خارجيته قد “حلّا مشكلة هائلة” متعلقة بسوريا، دون أن يكلف نفسه عناء توضيح ما هي هذه المشكلة أو كيف حُلّت. ولو سُئل بعد أشهر قليلة، فربما اكتشفنا أن تحرير دمشق نفسه تم تزامناً مع استراحة بين جولتي غولف.
المشكلة ليست في الرئيس السوري أحمد الشرع، ولا حتى في ترامب كشخص، لكنها تكمن في المنطق السياسي الذي يقف خلف هذا الأسلوب من الخطاب: منطق يرى الشعوب تفاصيل صغيرة في قصة يكتبها الأقوياء، ومصير الدول سلعة تُمنح في غرفة مغلقة كما تُمنح الهبات، وتُسحب كما تُسحب الامتيازات.
ثمة تفصيل مزعج لهذه الرواية يستحق التوقف عنده: يوم سقط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وبدأت سوريا تدخل مرحلة جديدة من تاريخها، لم يكن ترامب أصلاً في البيت الأبيض. لم يوقّع أمراً تنفيذياً، ولم يصدر بياناً، ولم يكن في موقع القرار. وحين تسلّم منصبه بعد ذلك بأسابيع، وجد نظاماً قد سقط فعلاً، وقيادة جديدة تتلمس طريقها وسط حطام بلد استُهلك بالحرب والاعتقال والتهجير. ومع ذلك، يبدو أن سرعة الأحداث لم تمنع الرئيس الأمريكي من إيجاد موقع متقدم لنفسه في رواية لم يكتب فصلها الأول.
اللافت أن هذا الأسلوب لا يقف عند حدود الإيحاء العام، يتجاوزه إلى تفاصيل محددة يصعب التحقق منها أو دحضها. فحين أعلن ترامب رفع العقوبات عن سوريا في أيار/مايو 2025، قدّم القرار وكأنه استجابة شخصية لطلبين هاتفيين، أحدهما من الرياض والآخر من أنقرة، لا كنتيجة لمراجعة سياسية ضمن مؤسسات وزارة الخارجية والخزانة الأمريكية. وهذا فارق جوهري: فالقرار الذي يُقدَّم كهبة شخصية من رئيس لرئيس، هو في الحقيقة قرار مؤسسي معقّد، تتحكم فيه اعتبارات استراتيجية أبعد من مزاج لحظي أو مكالمة عابرة. تبسيط هذا التعقيد إلى “اتصال هاتفي فاتّخذت القرار” ليس وصفاً دقيقاً للسياسة، هو إعادة تأليف لها.
ولترامب في هذا سجل طويل لا يبدأ بسوريا ولا ينتهي بها. فالرجل اشتهر طوال مسيرته السياسية بتصوير كل تطور إيجابي في العالم كأثر مباشر لقراراته الشخصية، بدءاً من اتفاقات تجارية وصولاً إلى هدنات إقليمية لم يكن له فيها أكثر من دور هامشي أو متأخر. وكثيراً ما بدت الصورة التي يرسمها لنفسه أهم عنده من الوقائع التي يفترض أنها تدعمها.
اللافت أكثر هو وصفه المتكرر لأحمد الشرع بـ”الرجل القوي”، عبارة تحمل في ظاهرها إشادة، وفي باطنها تموضع: فمن يصف زعيماً آخر بأنه “قوي” بهذا التكرار، يضع نفسه ضمناً في موقع من يمنح صفة القوة أو يسحبها، كما لو كانت شرعية القيادة السورية مرهونة بتقييم يومي من واشنطن. وحتى حين يشيد ترامب بالشرع، تأتي الإشادة مصحوبة بتذكير دائم بموقعه كحكم: فهو يصفه بأنه يقوم بعمل جيد جداً ويعمل بجد لإنجاح بلاده، لكنه يضيف في الجملة التالية أنه “لن تحصلوا على فتى مثالي لقيادة سوريا”، كما لو أن المهمة الأهم ليست تقييم الإنجاز لكنها تذكير الجميع بأن واشنطن هي من تصدر الشهادة، سلبية أو إيجابية على السواء.
لكن ما يهم السوريين اليوم ليس سباق التصريحات، يهمهم حقيقة أبسط من كل هذا الجدل: سوريا لم تُكتب فصولها الأخيرة في واشنطن، ولا في الرياض، ولا في أنقرة. كُتبت في المدن المدمَّرة، وفي المعتقلات، وفي مخيمات النزوح، وفي بيوت ملايين السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل مستقبل مختلف عن الذي صنعه نظام الأسد طوال عقود.
من هنا، فإن أي خطاب يُصوّر قيادة سوريا كمنحة خارجية قابلة للسحب والاستبدال بقرار من هذه العاصمة أو تلك، لا يستدعي الإعجاب بقدر ما يستدعي الحذر. فالدول التي تحترم نفسها لا تستمد شرعيتها من تصريحات رؤساء أجانب، مهما بلغت قوتهم أو حجم نفوذهم. وما تحتاجه دمشق اليوم ليس مديحاً متقطعاً من البيت الأبيض، تحتاج علاقة مبنية على وضوح المصالح المشتركة، وليس على سرديات شخصية يعاد تشكيلها كل أسبوع بحسب ما يخدم صورة من يطلقها.
قد ينجح ترامب في تقديم نفسه لجمهوره الداخلي بصفته صانع المعجزات السياسية حول العالم، لكن من الصعب إقناع السوريين بأن تاريخهم القريب كتبه شخص لم يكن أصلاً في موقع القرار حين وقعت أحداثه الحاسمة. فالأوطان لا تُمنح في المؤتمرات الصحفية، ولا تُوزَّع في المقابلات التلفزيونية، ولا تُصنع بمنشور على منصة تواصل اجتماعي.
أما سوريا، بكل ما مرّت به، فهي أكبر من أن تختصر في جملة عابرة يقولها سياسي يبحث دائماً عن دور البطولة، حتى لو اضطر إلى إعادة كتابة الوقائع على مقاس صورته الشخصية.






