ذاكرة أبناء الجولان والنازحين المقيمين في منطقة السيدة زينب جنوب دمشق

يُعدّ يوم 18 تموز/يوليو 2012 من أكثر الأيام إيلامًا في ذاكرة أبناء الجولان والنازحين المقيمين في منطقة السيدة زينب جنوب دمشق. ففي ذلك اليوم الذي كان من المفترض أن يكون وداعًا لشهيد واحد، تحوّل المشهد خلال لحظات إلى مأساة إنسانية كبيرة خلّفت مئات الضحايا بين شهيد وجريح، في حادثة عُرفت لاحقًا باسم مجزرة التشييع.
بدأت الأحداث مع الإعلان عن استشهاد الشاب عبد الرحيم، أحد أبناء الجولان، على يد قوات النظام السوري. وسرعان ما توافد آلاف المشيعين من أبناء المنطقة والمناطق المجاورة للمشاركة في تشييع جنازته. كان المشهد يعكس حالة من الحزن والغضب في آن واحد، حيث اجتمع الناس لتوديع ابن من أبنائهم، دون أن يتوقعوا أن يتحول ذلك التجمع إلى واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ المنطقة.
ومع اقتراب موعد أذان المغرب، وقعت الكارثة. فقد تعرض مكان التشييع لقصف أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين المشاركين في الجنازة. وخلال دقائق معدودة عمّت الفوضى المكان، واختلطت أصوات الانفجارات بصراخ الجرحى واستغاثات الأهالي الذين كانوا يبحثون عن أبنائهم وأقاربهم بين الحشود. ووفقًا لما وثقته جهات محلية آنذاك، بلغ عدد الشهداء الموثقين نحو 350 شهيدًا، إضافة إلى مئات الجرحى والمصابين.
لا تزال تفاصيل تلك الساعات محفورة في ذاكرة من عاشها. فقد أخذ الناس يركضون في كل اتجاه وهم يصرخون: “قصفوا التشييع… قصفوا التشييع”. كان الخوف والذهول يسيطران على الجميع، بينما حاول كثيرون إنقاذ المصابين أو البحث عن المفقودين وسط مشاهد الدمار والدماء. وتحولت الشوارع المحيطة بمكان التشييع إلى ساحات إسعاف مفتوحة، حيث شارك الأهالي في نقل الجرحى بكل الوسائل المتاحة.
ومع تزايد أعداد المصابين، لم تعد المرافق الطبية القريبة قادرة على استيعاب الجميع، فجرى تحويل المساجد إلى مشافٍ ميدانية مؤقتة لاستقبال الجرحى وتقديم الإسعافات الأولية لهم. كما نُقل كثير من المصابين إلى منازل الأطباء في المنطقة، وساهم أبناء البلدة، من أطباء وممرضين ومتطوعين، في جهود الإنقاذ رغم محدودية الإمكانات والظروف الصعبة.
وفي صباح اليوم التالي، كانت آثار المجزرة لا تزال حاضرة في كل مكان. كانت رائحة الدم تفوح من الشوارع، فيما استمرت عمليات البحث عن الضحايا والمفقودين. كان بعض الآباء يبحثون بين الجثامين عن أبنائهم، بينما تلقّت عائلات أخرى أخبارًا صادمة بفقدان أكثر من فرد من أفرادها في وقت واحد. وقد خلّفت المجزرة جروحًا عميقة في المجتمع المحلي، ليس فقط بسبب عدد الضحايا الكبير، بل أيضًا بسبب القصص الإنسانية المؤلمة التي رافقتها.
كما تسببت المجزرة في موجة نزوح جديدة بين أبناء الجولان المقيمين في المنطقة، حتى وصفها بعض الأهالي بأنها النزوح الثاني بعد نزوح عام 1967. فقد دفعت مشاهد القتل والدمار كثيرًا من العائلات إلى مغادرة منازلها بحثًا عن الأمان، في تكرار مؤلم لتجارب التهجير التي عاشها أبناء الجولان عبر العقود.
وبعد مرور سنوات طويلة على تلك المأساة، لا تزال مجزرة التشييع حاضرة في ذاكرة الأهالي والناجين منها. فما زالت العائلات المكلومة تنتظر تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة. وبينما تستمر الحياة، يبقى يوم 18 تموز 2012 شاهدًا على واحدة من أكثر الصفحات حزنًا وألمًا في تاريخ جنوب دمشق، وذكرى لا يمكن أن تمحى من وجدان من عاشوا أحداثها أو فقدوا أحباءهم فيها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top