يشكّل كتاب “وصايا الدم: سورية من الثورة إلى الدولة (2011 ـ 2024)” للباحث السوري كرم خليل محاولة لقراءة التحولات السورية خلال أكثر من عقد، عبر مقاربة تجمع بين التوثيق السياسي والتجربة الإنسانية. فالكتاب الصادر مطلع العام الجاري، يقترب من سنوات الثورة والحرب بوصفها تجربة غيّرت ملامح المجتمع السوري ووعيه الجمعي، لا باعتبارها مجرد تسلسل للأحداث.
بين الرصاص والوصية.. دلالات العنوان
منذ العتبة الأولى، يضع خليل القارئ أمام ثنائية مكثفة تجمع بين “الدم” و”الوصايا”. فالدم يحيل إلى التضحيات الهائلة التي قُدّمت منذ عام 2011 في سبيل الحرية والكرامة، بينما تمثل “الوصايا” البعد الأخلاقي والسياسي الذي ينبغي أن تسترشد به الأجيال المقبلة.
وفي لفتة وفاء واضحة، يُهدي الكاتب عمله إلى ثوار الكرامة، مع تخصيص مساحة تقدير للضباط المنشقين الذين انحازوا إلى مطالب الشعب، واضعاً المؤسسة العسكرية وتضحياتها ضمن ميزان القراءة التاريخية والتحليل السياسي.
من الساحات إلى الأرشيف
يتنقل الكتاب بين “حرارة الحدث” و”برودة التوثيق”، جامعاً بين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي. وفي الجزء الرابع عشر، يتوقف خليل عند اللحظة التي يتحول فيها الحدث اليومي إلى مادة تاريخية، متسائلاً عن الطريقة التي سيقرأ بها العالم، كما الذاكرة الوطنية السورية، ما جرى بعد انقشاع غبار الحرب.
ولا يكتفي الكاتب بتفكيك المشهد السياسي، بل يغوص في ما يسميه “سيكولوجية القرار”، متناولاً الأثمان الشخصية التي يدفعها الأفراد المنحازون إلى قناعاتهم، وما تفرضه التحولات الكبرى من إعادة تعريف للذات والهوية.
مراجعات شجاعة وأسئلة مفتوحة
من أبرز ما يميز “وصايا الدم” جرأة النقد الذاتي، إذ يخصص الكاتب مساحة تأملية بعنوان: “ما الذي لن أكرره لو عادت الأيام”، في مراجعة نادرة داخل أدبيات الثورات والصراعات السياسية.
كما يتناول التحولات البنيوية التي أصابت الشخصية السورية خلال سنوات الحرب، مشيراً إلى أن الجغرافيا قد تبدو ثابتة، لكن الأرواح التي عبرت هذه التجربة تبدّلت إلى الأبد.
وثيقة للباحثين وذاكرة للأجيال
يُعدّ الكتاب وثيقة أولية مهمّة للباحثين والمهتمين بالشأن السوري، ليس فقط لأنه يوثق الوقائع، بل لأنه يرصد التحولات النفسية والوجدانية التي عاشها السوريون منذ عام 2011 وحتى 2024. وهو، في جوهره، دعوة للتفكير في بناء مستقبل يقوم على العدالة والكرامة، اللتين طالبت بهما الحناجر السورية منذ البدايات.
كرم خليل من مواليد عام 1987، ويحمل إجازة في الاقتصاد السياسي ودكتوراه في التخطيط الاستراتيجي. انخرط في الثورة السورية منذ بداياتها، وتعرّض للاعتقال قبل انتقاله إلى أوروبا، حيث عمل في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب في فيينا. وتركزت أبحاثه على العدالة الانتقالية وإعادة بناء القطاع الأمني، كما يُعد من المساهمين في تأسيس حركة الضباط الأحرار، ويعمل مستشاراً لعدد من المنظمات الدولية. وسبق أن صدر له كتاب “الإدارة الاستراتيجية”.
- بثينة الخليل






