منذ اللحظة التي بدأت فيها عملية تحرير سورية وشرعت قوى الثورة السورية في بناء مؤسساتها من جديد، ظهر خلل بنيوي خطير لم يكن نتيجة سوء نية بقدر ما كان نتاجاً لفراغ إداري عميق وغياب منظومات الحوكمة التي تضبط العلاقة بين السلطة والمسؤولية.
فقد اندفع كثير من القائمين على المؤسسات الناشئة إلى اعتماد ما سُمّي “التزكية”، وهي آلية بدت في ظاهرها محاولة لضمان الثقة داخل بيئة مضطربة، لكنها تحولت تدريجياً إلى شبكة محسوبيات واسعة أعادت إنتاج منطق النظام البائد نفسه: مدير يعيّن أبناء عائلته، ومسؤول يوزّع الوظائف على أقاربه، ومؤسسة تُدار بمنطق الولاء الشخصي لا بمنطق الدولة.
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الممارسات مجرد أخطاء فردية، بل أصبحت تهديداً مباشراً لشرعية المؤسسات الجديدة، لأنها أغلقت أبواب التنافس، وأقصت الكفاءات، وأعادت إنتاج الفساد الذي ثار السوريون عليه، حتى بدا وكأن الدولة الناشئة تسير نحو ذات الطريقة التي غرقت بها مؤسسات النظام البائد بالفساد الإداري الذي بدأ بتعيين الأقارب واشتراط الواسطة كآلية بديلة عن الكفاءة في التوظيف.
إن خطورة هذا الانحراف تكمن في أنه يضرب أساس الفكرة التي قامت عليها الثورة: العدالة، تكافؤ الفرص، وإقامة مؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالقرابة.
فحين تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز عائلي، تصبح الدولة شركة خاصة، وتفقد المؤسسات معناها، ويتحوّل المواطن إلى متفرج عاجز أمام منظومة مغلقة لا يدخلها إلا من يملك “واسطة”.
وهذا ما يجعل الواسطة ليست مجرد خلل إداري، بل فساداً بنيوياً يعيد تشكيل الدولة من الداخل، ويهدد بتحويلها إلى كيان هشّ غير قادر على الصمود أو التطور.
إن هذا الواقع يفرض إعادة تقييم جادة لآليات التعيين والإدارة، خصوصاً أن الهدي النبوي نفسه وضع معياراً صارماً في هذا الباب، حين قال النبي ﷺ لأبي ذر: “إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة”، وهو حديث ثابت في صحيح مسلم، يقرر بوضوح أن المناصب العامة لا تُمنح بناءً على الثقة الشخصية أو القرابة، بل على القدرة والكفاءة وتحمل المسؤولية.
وهذا المبدأ النبوي لم يكن مجرد توجيه أخلاقي، بل أصبح قاعدة عملية سار عليها الخلفاء الراشدون، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب الذي أسس نظاماً رقابياً صارماً لمحاسبة الولاة، وعمر بن عبدالعزيز الذي أعاد الأموال التي مُنحت بغير حق ومنع الامتيازات العائلية، وكلاهما طبّق مفهوم “الأمانة” بوصفه أساساً لإدارة الدولة لا شعاراً أخلاقياً.
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي ورث مجتمعاً قبلياً تتداخل فيه القرابة مع السلطة، وضع قاعدة حاسمة فصلت بين المجالين، فرفض أن يتقدم أحد من أهل بيته على غيره، وامتنع عن تعيين أقاربه في المناصب الحساسة، بل كان يحاسب ولاته على أصغر انحراف.
وتذكر المصادر التاريخية الموثوقة، مثل تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير، أن سيدنا عمر عزل عدداً من الولاة لمجرد ظهور بوادر ميل نحو المحاباة، لأنه كان يرى أن حماية المؤسسة أهم من بقاء الأشخاص.
وكان يقول: “إني لا أُقوّي أحداً على أحد، ولا أُقرّب أحداً لقرابته”، وهو مبدأ لو طُبّق اليوم لكان كفيلاً بتجفيف منابع الواسطة من جذورها.
أما عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، فقد ورث دولة مثقلة بالمحسوبيات، فبدأ بإصلاحات جذرية أعادت تعريف الوظيفة العامة. وتذكر المصادر المعتبرة مثل سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن عبدالحكم والبداية والنهاية لابن كثير أنه أعاد الأموال التي مُنحت بغير حق، وعزل الولاة الذين اعتمدوا على القرابة، ومنع أقاربه من أي امتياز وظيفي، بل ردّ إليهم هداياهم الخاصة حتى لا يختلط الخاص بالعام.
وكان يرى أن العدالة لا تتحقق إلا حين يشعر المواطن أن الفرصة متاحة له بقدر ما هي متاحة لغيره، وأن الدولة التي تُدار بالواسطة لا يمكن أن تكون عادلة مهما رفعت من شعارات.
وإذا أسقطنا هذه الدروس على واقع المؤسسات السورية الناشئة، نجد أن المشكلة ليست في الأشخاص بل في القواعد التي تُدار بها المؤسسات.
فمدير يبرر توظيف أقاربه بأنه “يثق بهم”، ومسؤول يوزع المناصب على أبناء عشيرته “لضمان الولاء”، وموظفون أكفاء يُقصون لأنهم بلا ظهر، كل ذلك يعيد تشكيل بنية فساد يصعب تفكيكها لاحقاً.
فالواسطة ليست مجرد ممارسة خاطئة، بل آلية لإعادة إنتاج الظلم، وسبب مباشر لانهيار الثقة بين المواطن والدولة، ومقدمة لانهيار مؤسسات لا تملك القدرة على حماية نفسها من الداخل.
إن إصلاح هذا الخلل لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بتغيير القواعد. فالدروس التي قدمها عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز واضحة: فصل القرابة عن الوظيفة العامة، اعتماد معايير شفافة للتوظيف، محاسبة أي مسؤول يستخدم منصبه لتعيين أقاربه، بناء مؤسسات تعتمد على الكفاءة لا على الولاء، ونشر ثقافة أن الوظيفة ليست غنيمة بل مسؤولية.
فالدولة التي تُدار بالواسطة لا يمكن أن تبني عدالة، ولا أن تحمي ثورة، ولا أن تصنع مستقبلاً.
إن معالجة ظاهرة الواسطة في المؤسسات السورية الناشئة لم تعد شأناً أخلاقياً أو إدارياً فحسب، بل أصبحت ضرورة لضمان بقاء هذه المؤسسات وقدرتها على أداء وظائفها بكفاءة واستقلالية.
فالتجارب التاريخية الموثقة، من إصلاحات عمر بن الخطاب إلى سياسات عمر بن عبدالعزيز، تؤكد أن بناء الدولة لا يستقيم ما لم تُفصل المصلحة العامة عن الروابط الشخصية، وما لم تُدار الوظيفة العامة وفق معايير موضوعية تتيح تكافؤ الفرص وتحمي القرار الإداري من الانحراف.
ومن دون تبني قواعد واضحة للمساءلة والشفافية، ستظل المؤسسات عرضة لإعادة إنتاج أنماط الفساد التي أسقطت شرعية الأنظمة المستبدة الفاسدة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة إصلاحية جادة تُعيد الاعتبار للكفاءة باعتبارها معياراً وحيداً للتعيين، وتُرسّخ ثقافة مؤسسية تدرك أن الوظيفة العامة مسؤولية وطنية لا امتيازاً شخصياً.
وعندها فقط يمكن القول إن سورية الجديدة تسير نحو بناء مؤسسات قادرة على خدمة مجتمعها، وصون ثورتها، وترسيخ نموذج إداري يليق بتضحيات أبنائها.






