تل الفرس على خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل خاص مؤسسة جولان

في كل مرة تعلن فيها إسرائيل عن توسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل، يبدو الخبر مألوفاً.. ومألوفاً إلى درجة الخطر. الجديد هو السياق الذي يُتخذ فيه: عالم متعب، وشرق أوسط مفكك، وسوريا التي لم تخرج بعد من ركامها. تدور في هذا الفراغ، تتحول القرارات الإسرائيلية من خطوات تدريجية إلى قفزات استراتيجية، تُرسم فيها خرائط طويلة الأمد، بينما ينشغل أصحاب الأرض بأسئلة البقاء.

القضية ليست كونها طلباً في تخصيص ميزانية أو رفعها، بقدر ما هي انتقال واضح من سياسة «إدارة الاحتلال» إلى سياسة «تثبيت السيادة بحكم الأمر الواقع». حين تتحدث إسرائيل عن مضاعفة عدد المستوطنين أو إنشاء تجمعات حضرية جديدة، تكون بهذا تعيد تعريف الجغرافيا، وتكتب سردية جديدة للأرض: أرض مأهولة، ومزروعة، ومرتبطة ببنية تحتية عميقة، ويصعب اقتلاعها سياسياً كما يصعب تفكيكها مادياً.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا تريد إسرائيل؟ فذلك أصبح واضحاً. السؤال الأجدر هو: ما الذي يردعها؟
والإجابة الصريحة، وإن كانت قاسية، هي: لا شيء تقريباً.

التجربة الفلسطينية تقف أمامنا كدليل حي: عقود من الإدانات الدولية، وقرارات أممية لا تُحصى، ومؤتمرات، وبيانات، وحملات تضامن.. وفي المقابل، استيطان يتمدد بلا توقف. لم توقفه الشرعية الدولية، ولا القانون الدولي، ولا حتى الإجماع اللفظي العالمي. السبب بسيط: هذه الأدوات لم تتحول يوماً إلى كلفة حقيقية على إسرائيل.

في الجولان، الوضع أكثر خطورة.. من زاوية أخرى: فلسطين، رغم كل ما تعانيه، بقيت حاضرة في الوعي العالمي كقضية مركزية. أما الجولان، فغالباً ما يُختزل إلى ملف هامشي في الأخبار الدولية، أو يُعامل كأمر واقع منذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل عليه في عهد إدارة ترامب الأولى. هذا التراجع في مركزية القضية يمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك، بهدوء وبوقاحة وبدون رادع.

تكمن المخاوف السورية كمخاوف تتعلق بمستقبل الأرض كلياً. فالتوسع الاستيطاني يعني تعقيد أي احتمال مستقبلي لاستعادتها، لأن كل مستوطنة جديدة هي عقدة إضافية في أي مفاوضات قادمة، وكل طريق يُعبد هو تثبيت لواقع وخريطة يصعب التراجع عنهما.

لكن الأخطر من ذلك هو التحول الديموغرافي. الاستيطان مشروع إحلال سكاني تدريجي، ومع مرور الوقت تتحول الأرض من «محتلة» في القانون إلى «مختلفة سكانياً» في الواقع، وهذا ما تستخدمه إسرائيل دائماً كحجة سياسية: خلق واقع يجعل أي انسحاب يبدو مستحيلاً أو غير منطقي.

أمام هذا المشهد، تبدو ردود الفعل التقليدية عاجزة: بيانات شجب، وتنديد، وربما تحركات دبلوماسية محدودة. المشكلة في هذه الأدوات ضعيفة بذاتها، في غياب ما يكملها من القوة الضاغطة.

لأنه في السياسة، يجب أن تمتلك ما يجعل الطرف الآخر يدفع ثمن تجاهل هذا الحق. وهنا نصل إلى جوهر المسألة السورية.. هل تملك سوريا اليوم، كدولة أو كمجتمع سياسي، أدوات الردع؟ الجواب الواقعي: ليس بعد. الدولة منهكة، والأولويات داخلية، والملف السيادي نفسه موزع بين أطراف متعددة. في ظل هذا الواقع، تصبح إسرائيل اللاعب الأكثر استقراراً في معادلة مضطربة، وهذا بحد ذاته عنصر قوة استراتيجي.

لكن هذا لا يعني أن المشهد مغلق تماماً. التاريخ يقول إن مشاريع الاستيطان، مهما بدت راسخة، تبقى مرتبطة بتوازنات القوة. ما يتغير اليوم يمكن أن يتغير غداً، ولكن بشرط أساسي: إعادة بناء القدرة على التأثير. فعمره الردع لم يأتِ من البيانات، بل دائماً ما يأتي من المعادلات. ومن دون معادلة واضحة، سياسية أو اقتصادية أو حتى شعبية، ستبقى إسرائيل تتحرك وفق مبدأ بسيط:
«طالما لا يوجد ثمن، لا يوجد سبب للتوقف».

في النهاية، ما يحدث في الجولان هو اختبار صريح لمستقبل المنطقة كلها. هل تتحول الأراضي المحتلة إلى وقائع دائمة مع مرور الزمن؟ أم أن هناك لحظة ما سيُعاد فيها تعريف القوة، وتُفرض حدود جديدة لما هو ممكن؟ حتى الآن، الإجابة تميل للأسف نحو الخيار الأول. لكن التاريخ، كما علمنا، لا يحب الفراغ طويلاً، ولا يمنح الامتيازات إلى الأبد.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top