في وسط الجولان المحتل، وعلى ارتفاع يقارب 915 متراً فوق سطح البحر، تمتد قرية الدلوة بوصفها واحدة من أبرز التجمعات الريفية التي شكّلت عبر تاريخها جزءاً أصيلاً من المشهد الاجتماعي والزراعي في المنطقة.
تبعد القرية نحو 10 كيلومترات غرب خط الهدنة، وتتبع إدارياً لقضاء القنيطرة قبل عدوان حزيران/يونيو 1967، فيما لم تتجاوز المسافة التي تفصلها عن مركز المدينة 8 كيلومترات.
تحيط بالدلوة شبكة واسعة من القرى والمزارع، من أبرزها: السنيسلة، المومسية، عين شيبان، خويخة الشمالية، البجة، المغير، كفر نفاخ، قرحتا، جويزة، واسط، المنشية، والشومر. كما تحيط بها تلال بارزة شكّلت حدودها الطبيعية، منها: تل أبو الندى شمالاً، تل أبو خنزير (977 متراً) جنوباً، وتل أبو الحاج غرباً.
وتتميّز هذه التلال بوجود ما يُعرف بـ“الضلع الجبلي”، وهو انحدار صخري يسهم في زيادة خصوبة التربة ويجعل الزراعة البعلية أكثر إنتاجاً، وهي ميزة نادرة مقارنة بعدد من قرى الجولان الأخرى.
بلغ عدد سكان القرية قبل الاحتلال نحو 1785 نسمة، ينتمي معظمهم إلى عشيرة البحاترة الطائية، وهي من أقدم العشائر العربية في الجولان، وتمركزت في أربع قرى رئيسية: الدلوة، خويخة، الرمثانية، وعين وردة.
وشكّل البحاترة عبر تاريخهم حلفاً قبلياً واسعاً مع عشائر الفضل والعجارمة والهوادجة، وشاركوا في الحراك الوطني السوري منذ عام 1919، كما أسهموا في مواجهة الاحتلال الفرنسي خلال الثورة السورية الكبرى (1925–1927)، حيث سقط عدد من أبنائهم في تلك المواجهات.
اعتمد سكان الدلوة على الزراعة البعلية، ولا سيما زراعة الحبوب والبقوليات، إلى جانب تربية المواشي من أغنام وأبقار، فضلاً عن زراعة الكرمة وعرائش العنب.
وتحيط بالقرية سهول خصبة، أبرزها سهل الدلوة الذي حمل اسمها لاحقاً، وهو سهل ذو تربة حمراء غنية بالأكاسيد الحديدية المفيدة للزراعة، إلى جانب سهول عين زيوان والمنصورة والجوخدار.
كما اشتهرت القرية بوفرة ينابيعها، ومنها نبع السلام شمالاً ونبع الخشب في ساحة البلدة، ما جعلها مركزاً مائياً مهماً في الريف الشمالي للجولان.
اتسم عمران القرية قبل الاحتلال بمزيج من الأبنية البازلتية والطينية؛ إذ تميّز جامع الدلوة القديم بحجارته البازلتية السوداء المتينة، وكذلك المدرسة الابتدائية، فيما انتشرت المنازل الطينية المسقوفة بالطوب قبل انتشار الأبنية الإسمنتية لاحقاً.
وكانت الغابات تحيط بالقرية من مختلف الجهات، ما منحها طابعاً بيئياً غنياً ظل حاضراً في الذاكرة الجمعية حتى بعد التهجير.
تمثل الدلوة اليوم، شأنها شأن عشرات القرى السورية المدمرة في الجولان المحتل، طبقة حيّة من التاريخ الاجتماعي والقبلي والزراعي، وتختزن في تضاريسها وتلالها وبيوتها البازلتية المهدّمة سردية متكاملة عن الريف السوري قبل عام 1967؛ ريفٌ قاوم، وزرع، وحافظ على هويته رغم محاولات المحو والطمس.
- بلال محمد الشيخ






