في مشهد يعيد إلى الذاكرة أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام البائد، نشرت صفحة تحمل اسم “ملفات مسربة” فجر اليوم الخميس مقاطع مصورة وصوراً توثق عمليات تعذيب مروّعة بحق معتقلين سوريين، بعضها داخل مستشفى تشرين العسكري، وأخرى في شوارع عامة، حيث ظهر جنود النظام البائد وهم يمارسون التعذيب علناً ويتفاخرون بالتقاط الصور والفيديوهات إلى جانب الضحايا.
هذه المواد المسرّبة لم تترك مجالاً للشك في أن الانتهاكات كانت سياسة ممنهجة للنظام المخلوع، إذ أظهرت جثث ضحايا قضوا تحت التعذيب، ومشاهد صادمة لعمليات جراحية يُرجّح أنها استهدفت انتزاع أعضاء بشرية من أجساد المعتقلين، وهو ما يعكس حجم الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين على مدى سنوات طويلة.
صاحب الحساب المجهول الذي نشر هذه المواد أوضح أن ما عرضه هو حصيلة متابعة استمرت ثماني سنوات، تعرض خلالها لمخاطر من قبل أجهزة النظام قبل سقوطه، قبل أن يعلن توقفه عن النشر استجابة لطلب من الدولة السورية ثم حذف المنشورات لاحقاً.
غير أن التوقيت الذي ظهرت فيه هذه التسريبات، والذي تزامن مع بدء قوات الأمن العام اعتقال مجرمين كبار لتقديمهم إلى المحاكم، أثار تساؤلات حول أهداف نشرها، خاصة وأن المجرمين أنفسهم قد يكونون أصحاب المصلحة الأولى في إعادة بث هذه المشاهد لتأجيج الشارع وخلق حالة فوضى تعيق مسار المحاسبة القضائية.
ردود الفعل الشعبية والفكرية جاءت لتؤكد أن هذه الجرائم ليست استثناءً بل جزء من منظومة القمع التي مارسها النظام البائد.
الناشط محمود ياسين الياسين كتب أن تسريبات مستشفى تشرين وغيرها توحي بأن جميع المنفذين هم “أمجد يوسف”، فهناك مجازر بكاميرا وأخرى بلا كاميرا، في إشارة إلى أن الجرائم كانت عامة ومنتشرة.
أما الكاتب والسياسي عبد الوهاب عاصي فقد شدد على أن أي حديث عن التعافي الاجتماعي والاستقرار الأمني في سوريا قبل التطبيق الجاد للعدالة الانتقالية هو كلام غير دقيق ولا يمت للواقع بصلة، مؤكداً أن التعافي يبدأ عند تفكيك شبكات الحماية الاجتماعية والمؤسساتية للفلول عبر مسار عدالة انتقالية حقيقي.
الناشطة والكاتبة عزيزة جلود عبّرت عن رفضها مشاهدة هذه المقاطع لأنها تعيدها إلى ذكريات التعذيب في فروع المخابرات والسجون، مشيرة إلى أن ذلك يزيد حقدها على الطغمة الأسدية من مختلف الطوائف، مطالبة الدولة السورية بجلب كل مجرم ومحاكمته، معتبرة أن كتّاب التقارير كانوا اليد الضاربة للنظام ضد الشعب البريء.
الكاتب والشاعر حسين الجنيد رأى أن المقاطع القاسية المسرّبة ليست مفاجئة، فالثورة وُلدت لتوقف هذا الظلم الذي استتر حيناً في أقبية الأسد وعملائه ثم ظهر وانكشف بالكاميرات والوثائق، مؤكداً أن الثورة أسقطت نظاماً بات ماضياً ولن يعود، وأن المطلوب اليوم هو تحقيق العدالة وملاحقة المجرمين وتأسيس نظام قائم على القانون والدستور الذي يضمن الكرامة الإنسانية، مع الحفاظ على قاعدة اجتماعية مستقرة تحت أي ظرف.
إن هذه التسريبات، مهما كان مصدرها، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الجرائم التي ارتكبها النظام البائد كانت ممنهجة وواسعة النطاق، وأنها لم تكن مجرد تجاوزات فردية بل سياسة متكاملة هدفت إلى قمع الشعب السوري وإرهاب المجتمع.
الأصوات الحقوقية والناشطون يجمعون على أن الطريق نحو العدالة يمر عبر مؤسسات الدولة والقضاء، وأن المطلوب اليوم هو محاكمة كل من تورط في هذه الجرائم، من المنفذين المباشرين إلى من وفر لهم الغطاء السياسي والأمني، لضمان أن لا تعود تلك الحقبة المظلمة مرة أخرى، وأن يتحقق الاستقرار على أساس العدالة والكرامة الإنسانية.
- بلال محمد الشيخ






