لم تعد أزمة الليرة السورية مجرد فجوة بين سعر رسمي وآخر في السوق السوداء، بل تحولت إلى أزمة ثقة شاملة تستنزف المواطن يومياً وتضع الاقتصاد الوطني في حالة ارتباك دائم.
فالدولة تُصدر نشرات يومية بسعر محدد، بينما الواقع يفرض أرقاماً مختلفة تماماً، وبين الرقمين لا تتآكل الليرة فقط، بل تتآكل الثقة.
فالمفارقة لم تعد مجرد خلل اقتصادي، بل نهج متكرر في التعامل: الضرائب والمخالفات تُسعَّر بالدولار، والعديد من المعاملات تُربط بعملة أجنبية، بينما الرواتب تُدفع حصراً بالليرة السورية.
الدولة تتعاقد بالدولار… وتقبض بالليرة الجديدة! هذا التناقض جعل المواطن يتساءل بمرارة: كيف يُطلب منه أن يثق بعملة لا تعتمدها الدولة نفسها؟
خلال أيام قليلة، تعرضت الليرة السورية لوعكة نقدية حادة دفعتها إلى مستويات غير مسبوقة، حيث سجل سعر الصرف في السوق الموازية ما بين 12800– 13000 ليرة للدولار الواحد، مقارنة بمستويات آذار 2026 التي تراوحت بين 11,700 – 11,900 ليرة.
هذه القفزة السريعة تعكس هشاشة الوضع النقدي والمالي، وتؤكد أن السوق السوري “نفسي أكثر منه اقتصادي”، حيث تتحرك الأسعار بالعاطفة والخوف أكثر من الأرقام.
لاشك أن الأسباب المباشرة لهذا التدهور متعددة، أبرزها زيادة الطلب المفاجئ على الدولار نتيجة الاستيراد المكثف وتحويل المدخرات خوفاً من فقدان القيمة، إضافة إلى العامل النفسي الذي يلعب دوراً محورياً في سوريا، حيث تؤدي الإشاعات والقرارات الحكومية غير الواضحة والتوتر الأمني إلى موجات هلع تدفع الناس نحو الدولار كملاذ آمن.
كما أن المضاربة في السوق السوداء، وضعف الثقة بالسياسات النقدية نتيجة الطباعة السابقة لكميات ضخمة من العملة وغياب الشفافية حول حجم الكتلة النقدية، ونقص تدفق العملات الصعبة بسبب تراجع الحوالات والصادرات وانعدام الاستثمارات، كلها عوامل تضغط على الليرة وتدفعها نحو مزيد من الانهيار.
حتى طرح العملة الجديدة أو تغيير شكلي فيها ساهم في إحداث ارتباك إضافي دفع المواطنين إلى شراء الدولار احتياطاً.
انعكاسات هذا التدهور على حياة المواطن كارثية، فالرواتب الحكومية بالليرة السورية فقدت قيمتها الفعلية، إذ لا تتجاوز مئتا دولار وسطياً، بينما تُسعَّر معظم السلع والخدمات وفق الدولار.
الغلاء الفاحش جعل أبسط متطلبات الحياة عبئاً ثقيلاً، وحوّل تأمين الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية والفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء دفعت الجميع للتعامل مع الأخيرة، ما زاد الضغط على الليرة وأضعف دورها كمرجعية نقدية.
وفي الشمال السوري، أصبح التعامل بالليرة التركية واقعاً مستقراً منذ سنوات، ما يعكس فقدان الثقة بالليرة السورية وتأخر ضخها هناك، وإن من بين أكثر صور الأزمة النقدية قسوة على المواطن السوري، صورة الموظف الذي يتقاضى راتبه بالليرة السورية ثم يجد نفسه مضطراً لتحويله إلى الدولار ليحافظ على جزء من قيمته، لكنه يخسر في هذه العملية بسبب الفارق الكبير بين السعر الرسمي والسوق السوداء.
فالسعر الرسمي يحدد الدولار عند حدود 11,100 ليرة بينما في السوق السوداء يصل إلى نحو 13,000 ليرة، ما يعني أن الموظف يخسر جزءاً من راتبه بمجرد تحويله.
ومع ذلك، لا تنتهي معاناته هنا، إذ يضطر في كثير من الحالات إلى تحويل ما تبقى من راتبه من الدولار إلى الليرة التركية ليتمكن من شراء السلع الأساسية في الشمال السوري حيث التداول بالتركي هو السائد.
هذه الدوامة النقدية تجعل راتب الموظف يتآكل ثلاث مرات:
أولاً عند استلامه بالليرة، ثانياً عند تحويله إلى الدولار بسعر غير منصف، وثالثاً عند تحويله إلى الليرة التركية للشراء.
والنتيجة أن راتباً بالكاد يكفي أياماً معدودة يصبح رمزاً لفقدان الثقة بالعملة الوطنية، ويكشف حجم الهوة بين الواقع الاقتصادي والقرارات الرسمية، ويجسد كيف تحولت حياة المواطن إلى سلسلة من الخسارات اليومية في معركة غير متكافئة مع الغلاء والفوضى النقدية.
وهذا يجعلنا نطرح سؤالاً جوهرياً: هل هناك خطة حقيقية لاستعادة مكانة العملة الوطنية، أم أن تعزيز الثقة بالليرة لم يعد أولوية؟
السيناريوهات المحتملة لا تبشر بالاستقرار، فالارتفاع يبدو الأرجح على المدى القصير إذا استمر الطلب العالي على الدولار واستمرت الإشاعات، وقد يصل السعر إلى 12,900 – 13,500 ليرة قريباً.
أما الانخفاض، فهو محتمل لكنه مؤقت، في حال تدخل الحكومة بضخ الدولار أو صدور أخبار إيجابية، لكنه سرعان ما يعود للارتفاع بسبب الطبيعة النفسية للسوق. فالاتجاه العام يبقى صعوداً مستمراً على المدى المتوسط، مع نزول مؤقت لا يغير المسار.
أما إمكانية تحسن الليرة بشكل قوي وحقيقي، فهي شبه مستحيلة في ظل ضعف الإنتاج، الاعتماد الكبير على الاستيراد، استمرار بعض العقوبات، وانعدام الثقة بالعملة.
التحسن النسبي قد يحدث فقط إذا دخلت استثمارات خارجية، زادت التحويلات من المغتربين، أو تحقق استقرار سياسي واقتصادي شامل.
إن أزمة الليرة السورية لم تعد مجرد تقلبات في سعر الصرف، بل تحولت إلى انعكاس مباشر لخلل هيكلي في السياسات النقدية والمالية، وغياب أدوات فعّالة لضبط السوق أو استعادة الثقة.
فالمواطن اليوم لا يواجه فقط غلاءً فاحشاً وتآكل قيمة راتبه، بل يعيش في ظل بيئة نقدية غير مستقرة، حيث تتناقض الأرقام الرسمية مع الواقع اليومي، وتُترك السوق رهينة للمضاربة والإشاعات.
إن استمرار هذا الوضع يضعف قدرة الدولة على إدارة اقتصادها ويجعل العملة الوطنية فاقدة لوظيفتها الأساسية كأداة للتبادل وحفظ القيمة.
أما إعادة بناء الثقة بالليرة السورية فيتطلب أكثر من نشرات سعرية أو تصريحات متفائلة؛ إنها تحتاج إلى إصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد، وضبط فعلي للسيولة، وتوفير مصادر حقيقية للعملات الصعبة، إلى جانب استقرار سياسي وأمني يطمئن المواطن والمستثمر على حد سواء.
بدون هذه العناصر، ستبقى الليرة في موقع هش، وسيظل المواطن في مواجهة يومية مع الغلاء والارتباك، فيما يظل الاقتصاد السوري بأكمله في حالة انتظار لإصلاح لم يبدأ بعد.
- بلال محمد الشيخ






