المشهد في الشرق الأوسط لم يعد يُقرأ بسهولة. الأخبار تتدفق بسرعة غير مسبوقة، التحليلات تتضارب، كأن الأرض تحبس أنفاسها قبل أن تنفجر. وعبر جغرافيا الشرق الأوسط الممتدة من سواحل المتوسط إلى أعماق الخليج، تحول مشهد الترقب إلى سواد حالك خلف أبواب الغرف المغلقة. المنطقة لم تعد تقترب من الحرب؛ لقد سقطت في مستنقعها بالفعل، وبطريقة قد لا تترك لأحد فيها مجالاً للتراجع.
عندما قصفت إسرائيل حقل «فارس» للغاز في العمق الإيراني، وبعيداً عن كونها مجرد عملية عسكرية أخرى في سلسلة طويلة من الاغتيالات والضربات المتبادلة. كانت تلك اللحظة بمثابة تجاوز للخطوط الحمراء التي استمرت عقوداً. فالحقل المستهدف، الذي يمتد جيولوجياً إلى حقل الشمال القطري العملاق، يحمل رسالة واحدة: معركة الطاقة أصبحت هي ساحة المواجهة المفتوحة. صحف أوروبية عديدة انقسمت بين مشجع للضربة ومحذر من تداعياتها، لكن الغالبية تتفق على أن الولايات المتحدة وإسرائيل قررتا أن لعبة الظل انتهت، وحان وقت المواجهة المكشوفة.
200 مليار دولار.. ثمن معركة الخليج
واشنطن لا تخفي نواياها هذه المرة. الميزانية التي طلبها البيت الأبيض، والتي تتجاوز مئتي مليار دولار، ليست لتمويل غارات جوية محدودة أو مناورة بحرية عابرة. إنها ميزانية حرب برية شاملة. الهدف الأسمى: مضيق هرمز. السيطرة على هذا الممر الضيق تعني السيطرة على نصف صادرات النفط الصينية والتحكم بحركة المرور، وخنق الحليف الأكبر لإيران في آسيا. أمريكا تعلم جيداً أنها تخوض مغامرة محسوبة، لكنها تراهن على أن قوتها النارية قادرة على كسر تحالف أعدت له طهران وموسكو وبكين عدته منذ سنوات.
موسكو، مع ذلك، مشغولة بهمومها الداخلية. الرئيس بوتين، الذي لم يغادر مقره السري في الكرملين منذ أيام، يواجه تداعيات اختراق أمني خطير، وأنباء متزايدة عن انقلاب عسكري محتمل تزيد من ارتباك القيادة الروسية. وفي بكين، تترقب الصين المشهد بهدوء ودون اي تصريح مهم، تؤجل لقاءاتها مع ترامب، وتنتظر اللحظة المناسبة. الحوثيون في اليمن، الذين تربطهم بإيران علاقة استراتيجية ودينية عقائدية، بانتظار الإشارة من موسكو وبكين لإغلاق مضيق باب المندب، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة نار تغلق الطريق أمام الملاحة الدولية.
قبرص: الجبهة الصامتة التي تنتظر دورها
وفي زحمة الأنظار المتجهة نحو الخليج، ثمّة مسرح آخر يُجهز له بهدوء. جزيرة قبرص، التي طالما كانت مقصداً للسياح وملاذاً للهدوء، تتحول إلى ثكنة عسكرية. بريطانيا تنشر آلاف الجنود وثلاثة أسراب مقاتلة والمدمرة «دراجون» في قواعدها بالجزيرة. وشمال قبرص يحذر من مخطط لاحتلاله تحت غطاء الحرب على إيران. وتركيا تعزز وجودها العسكري رداً على التحركات الغربية. والمنطقة العربية التي تعتقد أنها تحاصر من الخليج وباب المندب، تكتشف فجأة أن جبهة جديدة تُفتح في ظهرها، على بعد أميال قليلة من سواحل اللاذقية وطرطوس.
سوريا.. ماذا بعد 14 عاماً من الجحيم؟
لنطرح السؤال الأكثر إيلاماً: أين تقف سوريا من كل هذا؟
بعد أربعة عشر عاماً من الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، وسنة واحدة فقط على التحرر من قبضة نظام الأسد، تجد سوريا نفسها مجدداً على حافة الهاوية. لكن هذه المرة، الفارق أنها منهكة، وجريحة، وأكثر هشاشة مما كانت عليه عندما اندلعت ثورتها في 2011.
الانهيار الاقتصادي.. الضربة القاتلة المنتظرة
التأثير الأول سيكون اقتصادياً، وسيكون قاسياً. سوريا التي مازالت لم تصل للانتاج النفطي الكافي والتي تعتمد على شراء إمداداتها النفطية، ستجد نفسها مضطرة لشراء احتياجاتها من سوق عالمي مشتعل. ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تجاوزت 30% في أيام قليلة يعني شيئاً واحداً: العودة إلى زمن الطوابير، وإطفاء الأنوار، وشلل شبه كامل في قطاع النقل والزراعة والصناعة. دول عظمى تعاني وشركات طيران عالمية ألغت آلاف الرحلات بسبب ارتفاع الكلفة، فكيف الحال ببلد يعيش على المساعدات الدولية ويعاني أصلاً من أعقد أزمة طاقة في تاريخه؟
عودة صراع النفوذ.. وهاجس التقسيم
التأثير الثاني سياسي وأمني. إذا انشغلت إيران بالدفاع عن وجودها في الخليج، فمن يضمن استقرار المناطق التي هي ضمن نفوذها مثل: العراق واليمن ولبنان؟ الفراغ الذي قد تتركه طهران لن يبقى فارغاً طويلاً. لأنه سوف يتحول ببساطة الى انتقام داخلي في كل دولة فيها نفوذ ايراني، وهذا من شأنه أن يؤثر امنياً وسياسياً على سوريا، فالحكومة السورية الجديدة، التي تحاول جاهدة ترتيب البيت الداخلي، قد تجد نفسها أمام سيناريو مزدوج: إما عودة التدخلات الخارجية بصيغة جديدة، أو انزلاق بعض المناطق إلى فوضى الصراعات المحلية. الترسانة الإيرانية المتركزة على الحدود العراقية السورية تحت مسمى الحشد الشعبي، والتي كانت ورقة ضغط بيد طهران، قد تتحول فجأة إلى عبء وهدف للضربات الإسرائيلية والأمريكية.
اللاجئون.. وراء المحنة أمل جديد؟
ثمّة زاوية ثالثة، إنسانية بامتياز: اللاجئون. مئات الآلاف من السوريين لا يزالون في لبنان والأردن وتركيا وأوروبا. تصاعد الحرب في قبرص أو لبنان قد يخلق موجة لجوء جديدة عكسية نحو الداخل السوري، مما يزيد العبء على بنية تحتية منهكة. لكن بالمقابل، هناك من يرى في انشغال العالم بصراعاته الكبرى فرصة نادرة: فرصة لأن تترك سوريا وشأنها، لتبني نفسها بنفسها، بعيداً عن الوصايات والصراعات الدولية التي كانت سبباً رئيسياً في استمرار مأساتها لعقد ونصف.
ختاماً، حين تتصارع الفيلة
يقول المثل الأفريقي: «عندما تتصارع الفيلة، فإن العشب هو الذي يموت». سوريا اليوم هي ذلك العشب اليابس الذي داسته أفيال الحرب مراراً وتكراراً. في معركة هرمز الكبرى، وصراع الطاقة العالمي، وسباق إعادة تشكيل الشرق الأوسط، تبدو سوريا هامشاً في حسابات الكبار. لكن الهامش، في جغرافيا هذه المنطقة، يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى قلب العاصفة. السوريون الذين عاشوا الجحيم عقداً ونصف، يستحقون أن يسألوا العالم: بعد كل هذا الدمار، ألا يحق لنا أن نعيش ولو عقداً واحداً من السلام؟






