أدلة جديدة تعيد فتح ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا (مواقع التواصل)

في الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطتين، التي وقعت في 21 آب/أغسطس 2013، يعود ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى الواجهة، مع ظهور معطيات وأدلة جديدة بشأن البرنامج الكيميائي للنظام السابق، وفتح مسارات إضافية أمام جهود التوثيق والمساءلة وحفظ الأدلة.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير صدر في 21 آب/أغسطس 2026، إن هجوم الغوطتين يمثل أوسع هجوم بالأسلحة الكيميائية شهدته سوريا، موثقة مقتل ما لا يقل عن 1144 شخصاً اختناقاً وإصابة نحو 5935 آخرين بغاز السارين، في مناطق من الغوطة الشرقية والغربية بريف دمشق.

وبحسب التقرير، وقع الهجوم فجر 21 آب 2013، عندما أطلقت نحو عشرة صواريخ أرض-أرض محملة بنحو 200 لتر من غاز السارين باتجاه مناطق مأهولة بالسكان، بينها معضمية الشام، في ظروف جوية ساعدت على انتشار الغاز، بالتزامن مع حصار مفروض على المنطقة.

وتشير الشبكة إلى أن الحصيلة الموثقة للقتلى تضم 1119 مدنياً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، إضافة إلى 25 من مقاتلي المعارضة المسلحة، فيما بلغ عدد المصابين نحو 5935 شخصاً.

وتنسب الشبكة مسؤولية الهجوم إلى قوات النظام السابق، مستندة إلى ما تقول إنها أدلة وشهادات ومواد موثقة، إضافة إلى ما خلصت إليه بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

انتهاكات موثقة ومسارات للمساءلة

وترى الشبكة أن استخدام الأسلحة الكيميائية في هجوم الغوطتين يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد المتعلقة بحظر استخدام الأسلحة الكيميائية، كما تشير إلى أن الوقائع والأدلة المتراكمة يمكن أن تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وبحسب التقرير، فإن انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في أيلول 2013 جاء بعد هجوم الغوطتين، ولذلك لا ينطبق الحظر التعاقدي للاتفاقية على الهجوم بأثر رجعي، إلا أن ذلك لا يلغي القواعد الدولية الأخرى التي كانت تحظر استخدام الأسلحة الكيميائية، ولا يحول دون البحث في المسؤولية الجنائية للأفراد المتورطين.

وتؤكد الشبكة أن الجرائم الدولية الخطيرة، وفي مقدمتها الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، لا تسقط بالتقادم، الأمر الذي يبقي الباب مفتوحاً أمام مسارات قضائية متعددة لمحاسبة المسؤولين عنها.

222 هجوماً كيميائياً خلال سنوات الحرب

ويشير التقرير إلى أن الشبكة وثقت 222 هجوماً كيميائياً في سوريا خلال الفترة الممتدة من 23 كانون الأول 2012 حتى 8 كانون الأول 2024.

وبحسب توثيقها، نفذت قوات النظام السابق 217 هجوماً، أي نحو 98 بالمئة من إجمالي الهجمات الموثقة، وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 1514 شخصاً، بينهم 1413 مدنياً، من ضمنهم 214 طفلاً و262 سيدة، إضافة إلى إصابة 11080 شخصاً.

نسبت الشبكة خمسة هجمات كيميائية إلى تنظيم داعش، وقعت في محافظة حلب وأسفرت، وفق التقرير، عن إصابة 132 شخصاً.

وتظهر البيانات التي أوردتها الشبكة استمرار استخدام الأسلحة الكيميائية حتى بعد صدور قرارات دولية تتعلق بهذا الملف، إذ وثقت 33 هجمة لقوات النظام السابق قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 2118 في أيلول 2013، مقابل 184 هجمة بعد صدوره، بينها 115 هجمة بعد القرار 2209 الصادر في آذار 2015، و59 هجمة بعد القرار 2235 الصادر في آب من العام نفسه.

اكتشافات جديدة تعزز ملف الأدلة

وخلال الفترة الممتدة بين آب 2025 وآب 2026، برزت تطورات جديدة في ملف الأسلحة الكيميائية، من بينها ما ورد في التقرير الخامس لفريق التحقيق وتحديد المسؤولية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والذي خلص في كانون الثاني 2026 إلى مسؤولية القوات الجوية للنظام السابق عن هجوم كيميائي استهدف كفر زيتا في ريف حماة في الأول من تشرين الأول 2016.

كما تشير الشبكة إلى وجود أكثر من 100 موقع محتمل مرتبط بالبرنامج الكيميائي السابق، لم تكن قد أُعلنت في وقت سابق، وهو ما يزيد أهمية عمليات البحث والتوثيق والكشف عن المنشآت والمواقع المرتبطة بهذا البرنامج.

وفي أيار 2026، عثرت فرق تابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلال عملها في سوريا على ذخائر ومعدات ووثائق لم تكن معلنة سابقاً، إضافة إلى صواريخ من النوع نفسه المرتبط بهجوم الغوطتين، وفق ما أورده التقرير.

وتكتسب هذه المكتشفات أهمية خاصة بالنسبة إلى مسار حفظ الأدلة، باعتبار أن المواد والوثائق والمواقع التي يمكن أن تكشف طبيعة البرنامج الكيميائي وآليات عمله قد تشكل عناصر أساسية في أي تحقيقات جنائية مستقبلية.

تعاون ميداني ومساران متوازيان

وتحدثت الشبكة عن تزايد التعاون المعلن من جانب الحكومة السورية الحالية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما أتاح للمنظمة الوصول إلى مواقع وأرشيفات مرتبطة بالملف.

وتفرق الشبكة بين مسارين في التعامل مع قضية الأسلحة الكيميائية؛ الأول يتعلق بعمل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وما يرتبط بالتثبت والتحقق والالتزامات المفروضة على الدولة، فيما يتمثل المسار الثاني في المساءلة الجنائية للأفراد المتورطين، والتي يمكن أن تتم عبر القضاء الوطني أو مبدأ الولاية القضائية العالمية أو الآليات والمحاكم الدولية.

وتؤكد الشبكة أن التعاون مع الجهات الدولية لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات التحقق والتدمير، بل يجب أن يترافق مع حفظ الأدلة التي يمكن أن تستخدم في التحقيقات والمحاكمات، وبما يضمن توثيق سلسلة حيازة المواد والوثائق والمضبوطات.

التوثيق في مواجهة خطر فقدان الأدلة

وتعتمد الشبكة السورية لحقوق الإنسان في توثيقها على قاعدة بيانات تراكمية منذ عام 2011، تجمع شهادات الناجين وذوي الضحايا، مع حماية هويات المصادر، إلى جانب السجلات الطبية والميدانية وتحليل المواد السمعية والبصرية والمطابقة الجغرافية والمكانية والاستعانة بالمصادر المفتوحة.

وتشير الشبكة إلى أن الأرقام الواردة في تقاريرها تمثل الحد الأدنى الموثق بشكل فردي، ما يعني أن الحصيلة الفعلية قد تكون أكبر من الأرقام التي تمكنت من التحقق منها.

كما أعلنت الشبكة إصدار نحو 54 تقريراً متخصصاً في ملف الأسلحة الكيميائية، وتزويد فريق التحقيق وتحديد المسؤولية والآليات الدولية ببيانات وأدلة مرتبطة بالهجمات، إلى جانب مشاركتها في جهود دولية تهدف إلى تعزيز حفظ الأدلة المرتبطة بالجرائم الكيميائية.

الضحايا في صلب مسار العدالة

ولا يقتصر ملف الغوطتين، وفق التقرير، على تحديد المسؤوليات القانونية، إذ تدعو الشبكة إلى وضع حقوق الضحايا والناجين وعائلاتهم ضمن أي مسار للعدالة، من خلال توفير العلاج الطبي والدعم النفسي وإعادة التأهيل والتعويض وجبر الضرر.

كما دعت إلى اعتماد 21 آب/أغسطس من كل عام يوماً وطنياً لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيميائية في سوريا، على أن تتم هذه المناسبة بإشراف رسمي وبمشاركة الضحايا وعائلاتهم، بهدف الحفاظ على الذاكرة الوطنية وعدم طمس آثار الجرائم التي شهدتها البلاد.

وبعد مرور 13 عاماً على هجوم الغوطتين، لا يزال الملف مفتوحاً أمام مسارات متعددة، خصوصاً مع ظهور أدلة ومواقع ووثائق جديدة يمكن أن تساعد في إعادة بناء صورة البرنامج الكيميائي وتحديد المسؤوليات المرتبطة به.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن الوصول إلى العدالة لا يرتبط فقط بتوثيق أعداد الضحايا، وإنما أيضاً بحماية الأدلة، وتحديد المسؤولين، وضمان عدم ضياع الوثائق والمضبوطات، وربط عمليات التوثيق بمسارات قانونية قادرة على تحويل الأدلة المتراكمة إلى ملفات قضائية.

و تدفع الشبكة باتجاه استمرار التعاون بين الحكومة السورية الحالية والمنظمات الدولية، وإدماج ملف الأسلحة الكيميائية في مسارات العدالة الانتقالية، إلى جانب تفعيل الولاية القضائية العالمية ومواصلة دعم الآليات الدولية المختصة، بما يضمن بقاء قضية ضحايا الغوطتين والهجمات الكيميائية الأخرى حاضرة في مسار البحث عن الحقيقة والمساءلة.

  • ميساء الشيخ حسين

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top