خريطة الشرق الأوسط

في ظل إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب مع إيران وما خلفه من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي، عاد الحديث بقوة عن مسارات بديلة لنقل الطاقة، حيث طرح المبعوث الأميركي توم براك فكرة إعادة إحياء التصورات القديمة التي كانت ترى في سوريا محوراً استراتيجياً يربط الخليج وبحر قزوين بالبحر المتوسط والبحر الأسود، بما يمنحها موقعاً بالغ الأهمية في خريطة الطاقة الدولية.

هذا الطرح يعكس حجم القلق العالمي من الاعتماد المفرط على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز، ويعيد إلى الأذهان مشاريع سابقة بقيت حبراً على ورق بسبب التعقيدات السياسية والأمنية.

براك أوضح أن سوريا تشهد مستوى من الاستقرار النسبي مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما يفتح الباب أمام التفكير في مرحلة جديدة قائمة على استثمار الفرص الاقتصادية.

القيادة الجديدة برئاسة السيد أحمد الشرع تحاول الاستفادة من تجارب دول مثل العراق وليبيا لتجنب أخطاء إقصاء مؤسسات الدولة، فيما يبقى ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة أحد أبرز التحديات المطروحة، لكنه قد يشكل خطوة نحو بناء توافق داخلي أوسع.

هذا الاستقرار النسبي، وإن كان هشاً، يمنح سوريا فرصة لإعادة طرح نفسها كمسار بديل في معادلة الطاقة العالمية.

اقتصادياً، يرى براك أن تخفيف العقوبات المفروضة على دمشق، بما في ذلك تراجع تأثير قانون قيصر، قد يفتح المجال أمام إصلاحات مالية ومصرفية أوسع، مثل إعادة تفعيل القنوات المالية الدولية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية، بما يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات.

هذه الإصلاحات، إذا ما تحققت، يمكن أن تضع سوريا على طريق جديد يربط بين إعادة الإعمار والانخراط في مشاريع الطاقة العابرة للحدود.

وقد أشارت تقارير اقتصادية إلى أن العراق يدرس إنشاء خط أنابيب يصل إلى ميناء بانياس السوري، بالتوازي مع تعزيز صادراته عبر ميناء جيهان التركي، وهو ما يعكس إدراكاً إقليمياً بأن سوريا قد تكون جزءاً من الحل في مواجهة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.

لكن عملياً، لا يمكن لسوريا أن تحل محل مضيق هرمز الذي يعبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى مرور 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عبره.

في المقابل، فإن السعة الاسمية المتداولة لخط كركوك–بانياس لا تتجاوز 300 ألف برميل يومياً، بينما تعمل مصفاة بانياس عند حدود 95 ألف برميل يومياً، وتُقدَّر القدرة الإنتاجية النفطية السورية الحالية بنحو 130 ألف برميل يومياً فقط.

هذه الفجوة الهائلة بين أرقام هرمز وأرقام سوريا تبيّن أن الحديث الواقعي يدور حول دور مكمل يخفف الضغط، لا عن بديل قادر على حمل عبء الإمدادات العالمية.

أي دور سوري محتمل يبقى مشروطاً بأمرين أساسيين: أولاً، إعادة تأهيل البنية التحتية التي تضررت بفعل الحرب والعقوبات، وثانياً، رفع القدرة الاستيعابية لخطوط التصدير عبر استثمارات ضخمة في النقل والتكرير.

من دون هذين الشرطين، ستظل سوريا عاجزة عن لعب دور يتجاوز حدودها الإنتاجية الحالية.

لذلك، فإن سوريا قد تتحول إلى ممر مكمل في معادلة الطاقة العالمية، لكنها لا تملك حتى الآن المقومات الفنية أو اللوجستية أو الإنتاجية التي تسمح لها بأن تحل مكان ممر عالمي كمضيق هرمز.

هذا التوصيف الواقعي لا يقلل من أهمية الطرح، بل يضعه في سياقه الصحيح: سوريا يمكن أن تكون جزءاً من شبكة أوسع لتوزيع المخاطر وضمان أمن الطاقة، لكنها ليست بديلاً منفرداً.

رغم ذلك، فإن إدماج سوريا في مشاريع إقليمية للطاقة يظل خياراً مطروحاً، خاصة إذا ما نجحت في تحقيق الاستقرار الداخلي والإصلاح الاقتصادي.

غير أن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلاً ومعقداً، رهن تحولات عميقة في المشهدين السياسي والأمني، وتوافقات إقليمية ودولية لم تنضج بعد. سوريا اليوم تقف بين واقعها المثقل بالتحديات وطموحها لأن تكون ممراً بديلاً لإنقاذ أمن الطاقة العالمي، وهو طموح يظل معلقاً على قدرتها على تجاوز أزماتها الداخلية والانخراط في منظومة إقليمية ودولية أكثر استقراراً.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top