أليس قندلفت في جلسة الأمم المتحدة الخاصة بأحوال المرأة (مواقع التواصل)

يحيي العالم في الثامن من آذار من كل عام اليوم الدولي للمرأة، وهي مناسبة عالمية لتجديد التأكيد على حقوق النساء وتسليط الضوء على دورهن في بناء المجتمعات وصناعة تاريخها. وفي سوريا، لم تكن مسيرة المرأة نحو المشاركة في الحياة العامة وليدة العقود الأخيرة، بل تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، حين برزت شخصيات نسائية رائدة تركت أثراً واضحاً في الحياة الثقافية والسياسية في البلاد.

ومن بين تلك الأسماء التي تستحق أن تُستعاد سيرتها في هذه المناسبة، السيدة الدمشقية أليس متري قندلفت، التي تعد من أوائل السوريات اللواتي انخرطن في العمل الثقافي والسياسي في مرحلة مبكرة من تاريخ سوريا الحديث.

وُلدت قندلفت في حي القيمرية بدمشق عام 1892، ودرست في المدرسة الأرثوذكسية في المدينة، قبل أن تتابع تعليمها في الكلية البروتستانتية السورية في بيروت، التي أصبحت لاحقاً الجامعة الأمريكية في بيروت.

وبحسب ما يورده المؤرخ السوري سامي مبيض، فقد قدم الرئيس الأميركي وودرو ويلسون منحتين دراسيتين لطالبتين سوريتين لمتابعة الدراسة في الولايات المتحدة، ورشّح الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر لهاتين المنحتين كلّاً من أليس قندلفت ونازك العابد، وهي من أبرز رائدات الحركة النسوية في سوريا.

غير أن والد نازك العابد رفض سفر ابنته إلى الولايات المتحدة، وقال عبارته الشهيرة: «هذه أميركا وليست حمص». في المقابل، وافق والد أليس، الأديب والشاعر متري قندلفت، وهو أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، على سفر ابنته لمتابعة تعليمها. فسافرت إلى الولايات المتحدة وأتمت دراستها هناك، قبل أن تعود إلى سوريا التي كانت آنذاك تحت الانتداب الفرنسي.

عقب عودتها إلى دمشق، انخرطت قندلفت في النشاطين الثقافي والسياسي، وافتتحت عام 1942 صالوناً ثقافياً واجتماعياً في فندق أمية الكبير في ساحة المرجة، الذي كانت تملكه في تلك الفترة. وتحول هذا الصالون إلى ملتقى لعدد من أبرز الشخصيات السياسية والثقافية في البلاد.

ومن بين رواد الصالون شخصيات بارزة مثل عبد الرحمن الشهبندر وميشيل عفلق، إلى جانب سياسيين مثل فارس الخوري وصلاح الدين البيطار وفخري البارودي، فضلاً عن أدباء وشعراء بارزين مثل عمر أبو ريشة ومحمد أحمد المحمد.

كما شاركت قندلفت في العمل الدبلوماسي، إذ عملت ضمن البعثة السورية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وكانت من أوائل السوريات اللواتي شاركن في نشاط دبلوماسي في هذا المحفل الدولي. وقد حضرت عام 1945 جلسة خاصة ناقشت أوضاع المرأة في العالم، وقدمت خلالها مداخلة تناولت واقع النساء في العالم العربي، كما دافعت عن استقلال سوريا وإنهاء الانتداب الفرنسي عليها.

ولم تكن قندلفت وحدها في هذا المسار، فقد برزت أيضاً شخصيات نسائية سورية كان لها دور مهم في الحياة الوطنية، وفي مقدمتها نازك العابد التي عُرفت بنشاطها الاجتماعي والوطني، ومشاركتها في الحراك السياسي خلال مرحلة الانتداب، إضافة إلى تأسيسها عدداً من الجمعيات النسوية.

وقد ارتبط نضال النساء في سوريا أيضاً بمسار المطالبة بالحقوق السياسية. ففي عام 1953 أقرّ البرلمان السوري حق المرأة في الانتخاب والترشح للانتخابات النيابية، في خطوة شكلت تحولاً مهماً في مشاركة المرأة في الحياة السياسية السورية، بعد سنوات من المطالبات والنشاط النسوي.

كما شاركت النساء السوريات في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد في النضال الوطني، ولم يغب حضورهن أيضاً عن الثورة السورية، حيث شاركت آلاف السوريات في الاحتجاجات والنشاط المدني والإعلامي والإنساني منذ بداياتها عام 2011. وقد أسهمت النساء في تنظيم المظاهرات، وتوثيق الانتهاكات، والعمل الإغاثي والطبي، إضافة إلى نشاطهن في المبادرات المجتمعية والدفاع عن حقوق الإنسان. كما دفعت كثير من النساء ثمناً باهظاً نتيجة مشاركتهن، من الاعتقال أو التهجير أو فقدان أفراد من عائلاتهن، ما يعكس حجم الدور الذي أدته المرأة السورية في مسار الأحداث خلال السنوات الماضية.

ورغم هذه المسيرة الطويلة من الحضور النسائي في الحياة العامة، ما يزال تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار في سوريا محدوداً في الوقت الراهن، سواء في المجال السياسي أو في المؤسسات القيادية، وهو ما يعكس فجوة بين الدور التاريخي للمرأة السورية وحجم مشاركتها الفعلية في مؤسسات الدولة اليوم.

في مناسبة اليوم الدولي للمرأة، تبدو استعادة سيرة الرائدات السوريات خطوة مهمة للتذكير بأن المرأة السورية كانت حاضرة في صياغة جزء مهم من تاريخ البلاد الحديث، وأسهمت في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية منذ وقت مبكر. كما يسلّط ذلك الضوء على ضرورة تعزيز حضور النساء في مختلف مجالات الحياة العامة، وتوسيع فرص مشاركتهن في مواقع العمل والمسؤولية

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top