دخل القطاع الزراعي السوري مرحلة “إعادة الهيكلة الشاملة” مع انطلاق الربع الأول من عام 2026، حيث انتقلت توجهات وزارة الزراعة من سياسات الدعم الإسعافي إلى تطبيق استراتيجية خماسية (2026-2030) تهدف إلى ضبط سلاسل التوريد وتخفيض تكاليف الإنتاج، بما ينعكس مباشرة على استقرار الأسعار وتوفر السلع في الأسواق المحلية.
أولاً: الاستراتيجية الوطنية 2026-2030.. خارطة الطريق الاقتصادية
أطلقت الحكومة السورية رسمياً الاستراتيجية الوطنية للزراعة، والتي لا تُعد مجرد خطة فنية، بل “وثيقة اقتصادية” تهدف إلى تحويل الزراعة من نشاط معاشي إلى قطاع إنتاجي منافس. ترتكز هذه الاستراتيجية على:
_ تأهيل البنى التحتية: التركيز على صيانة قنوات الري الرئيسية (خاصة في منطقة الغاب وسهل الروج) لتقليل الفاقد المائي وتوسيع الرقعة المروية.
_ التحول الرقمي الإحصائي: اعتماد نظام جديد لإحصاء الثروة الحيوانية وتسجيل المزارعين، مما يتيح توجيه الدعم (مازوت، أسمدة، أعلاف) لمستحقيه الفعليين ومنع الهدر في قنوات السوق السوداء.
_ تمكين المجتمعات المحلية: إطلاق برامج تنموية تستهدف المرأة الريفية والمهجرين العائدين لضمان استمرارية العملية الإنتاجية في المناطق المستعادة.
ثانياً: تعزيز الإنتاجية وتخفيض التكاليف (مدخلات الإنتاج)
لتحقيق توازن في الأسعار النهائية للمستهلك، اتخذت الوزارة خطوات تنفيذية لكسر احتكار البذار وتأمين المستلزمات بأسعار مدعومة:
_الاكتفاء الذاتي من البذار: بدأت المؤسسة العامة لإكثار البذار بتوزيع أصناف محلية معتمدة من بذار البطاطا (أفاميا، آثار، سيدرا)، وهي أصناف تم استنباطها لتلائم البيئة المحلية وتفوق في إنتاجيتها الأصناف المستوردة، مما يقلل من فاتورة الاستيراد وتكلفة الكيلو على المزارع.
_حماية الثروة الحيوانية: استقرار قطاع الدواجن واللحوم الحمراء يعتمد على برامج التحصين الوقائي التي تنفذها الوزارة حالياً، حيث تشير التقارير الميدانية إلى خلو القطاع من الأوبئة، ما يمنع القفزات الفجائية في أسعار البيض والفروج.
_ تطوير قطاع الزيوت: ترؤس سورية لمجموعة العمل الدولية لتعديل مواصفات زيت الزيتون في (CODEX) يفتح آفاقاً تصديرية أوسع للمنتج السوري، مما يرفع القيمة المضافة للمحصول ويؤمن قطعاً أجنبياً يدعم استقرار الاقتصاد الزراعي.
ثالثاً: التعاون الإقليمي والدولي.. الانفتاح التجاري
شهد شهر شباط حراكاً دبلومسياً زراعياً مكثفاً يهدف إلى تسهيل حركة المنتجات وتأمين التمويل:
_ المسار التركي: تفعيل خطة العمل المشتركة 2025-2026 عبر تبادل الخبرات في تقنيات البيوت الزجاجية ومعالجة المياه، مما يمهد لتكامل زراعي تقني.
_ المسار الرباعي (سورية، الأردن، العراق، لبنان): التوجه نحو إنشاء “مركز حجر موحد” وتوحيد المعايير الصحية، وهي خطوة تهدف إلى انسياب السلع الزراعية عبر الحدود دون عوائق فنية، مما يضمن تصريف الفائض ودعم دخل المزارع.
_ الشراكة مع المنظمات الدولية: التعاون مع (الفاو) والبنك الدولي لتمويل مشاريع الري الحديث وإزالة المعيقات البيئية (مثل زهرة النيل)، وهو ما يرفع من كفاءة استخدام الموارد الطبيعية المتاحة.
رابعاً: الاستجابة للمتغيرات المناخية والبيئية
تتبنى الوزارة حالياً آلية “الاستجابة السريعة” للحد من أثر الكوارث الطبيعية على الأسعار:
_ إدارة مياه الأمطار: معالجة حالات غمر الأراضي في ريف إدلب والغاب لمنع فقدان المحاصيل الاستراتيجية.
_ الرقابة البيئية: المتابعة الدورية لسلامة التربة والمياه في المناطق الحدودية (القنيطرة مثالاً) لضمان طرح منتجات آمنة صحياً ومطابقة للمواصفات.
الخلاصة: الانعكاس على المواطن والأسواق
إن تضافر هذه الإجراءات (البذار المحلي المدعوم + استقرار الحالة الصحية للحيوانات + رفع كفاءة الري + تسهيل التصدير) يهدف بالدرجة الأولى إلى خفض تكلفة الإنتاج عبر تأمين المدخلات محلياً بدلاً من استيرادها بالعملة الصعبة.
كما يؤدي الى وفرة العرض: من خلال حماية المحاصيل من الغمر والأمراض.
ويبقى الطموح الاهم ان نحصل على استقرار في الأسعارعبر ضبط شبكة الموزعين من خلال نظام “تسجيل المزارعين” الذي يمنع تسرب الدعم الحكومي لغير المنتجين.
تؤكد المعطيات الراهنة أن القطاع الزراعي السوري يتجه نحو استعادة دوره كقاطرة للنمو، مع التركيز على “جودة المنتج” و”عدالة السعر” للمنتج والمستهلك على حد سواء.
- ميساء شيخ حسين






