خريطة الشرق الأوسط

من السهل النظر إلى التصعيد المتصاعد في الشرق الأوسط باعتباره جولة أخرى من صراع مألوف. لكن ما يتكشف اليوم قد يكون أكثر تعقيداً: حرباً مزدوجة الطبقات، تدور في آنٍ واحد على مستويين مختلفين صراع إقليمي مباشر بين إسرائيل وإيران، وصراع أوسع يتصل بالمنافسة بين المعسكرين الغربي والشرقي.

في الطبقة الأولى، تتقدم المواجهة بين إسرائيل وإيران من حرب بالوكالة إلى احتكاك مباشر متدرج. فبعد سنوات من الاشتباك غير المباشر عبر فصائل مسلحة في لبنان وغزة والعراق واليمن، باتت خطوط التماس أكثر وضوحاً وأقل قابلية للإنكار. الهدف الإسرائيلي المعلن هو تحجيم النفوذ الإيراني ومنع تحوّله إلى طوق عسكري يحيط بها. أما طهران فترى نفسها في معركة وجود، تعتبر فيها أي تراجع استراتيجي تهديداً لبنية نظامها وأذرع نفوذها الإقليمية.

لكن هذه الطبقة ليست سوى جزء من الصورة.

فالطبقة الثانية تتصل بإعادة رسم خرائط النفوذ الدولي. إيران تقف أقرب سياسياً إلى روسيا والصين، بينما تتحرك دول الخليج ضمن المظلة الغربية أمنياً، حتى وإن كانت توسّع شراكاتها شرقاً. في هذا السياق، تصبح الموانئ وخطوط الملاحة ومشاريع الربط الاقتصادي «مثل الممر المقترح بين الهند وأوروبا عبر الخليج وإسرائيل» أهدافاً استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.

أي استهداف مباشر لموانئ الخليج أو لخطوط التجارة الدولية لن يُقرأ كرسالة إقليمية فحسب، هو جزء من منافسة أوسع على طرق التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

غير أن الخطر الأكبر قد لا يكون في المواجهة العسكرية نفسها، أيضاً في ما قد تفتحه من تصدعات داخلية. إذا تحولت الضربات المتبادلة إلى انخراط خليجي مباشر ضد إيران، فقد يترافق ذلك مع توترات طائفية داخل بعض الدول، ما يعيد إنتاج نماذج عدم الاستقرار التي شهدها العراق ولبنان في مراحل سابقة. الصراعات في الشرق الأوسط غالباً ما تبدأ جيوسياسية، لكنها لا تبقى كذلك طويلاً.

وفي حال اتسعت المواجهة، فإن ساحات مثل البحر الأحمر وشرق المتوسط قد تتحول إلى مسارح اشتباك موازية. البحر الأحمر بات بالفعل نقطة احتكاك دولي بسبب تهديد الملاحة، بينما يحمل شرق المتوسط تاريخاً من التوترات المرتبطة بالطاقة والنفوذ البحري، خصوصاً مع تداخل المصالح التركية واليونانية والإسرائيلية.

أما السيناريو الأكثر إثارة للقلق فيتعلق بالمسألة الفلسطينية. أي محاولة لفرض تغييرات ديموغرافية واسعة في الضفة الغربية أو غزة  «سواء عبر تهجير قسري أو إعادة هندسة سياسية أحادية»  قد تشعل مواجهة إقليمية أوسع، خصوصاً إذا مست التوازنات الحساسة في الأردن أو مصر. مثل هذه الخطوات لن تبقى شأناً إسرائيلياً–فلسطينياً، لأنها ستتحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة.

 

مع ذلك، من المهم التمييز بين «إمكانية الحرب الشاملة» و«حتميتها». فكل الأطراف تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة متعددة الجبهات ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية هائلة. دول الخليج تبني اقتصادات ما بعد النفط، وإسرائيل تعتمد على تفوقها النوعي لا على حرب استنزاف طويلة، وإيران تواجه ضغوطاً داخلية تجعلها حذرة من مقامرة وجودية.

 

الأرجح أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من الصراع منخفض الحدة: ضربات محسوبة، وحروب ظل، وعمليات بحرية محدودة، وتوازن ردع متوتر.. بدون سلام حقيقي، ودون حرب شاملة مكتملة الأركان.

 

لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار شامل، تبدأ بسلسلة خطوات صغيرة يتراكم سوء تقديرها. الشرق الأوسط اليوم يقف عند نقطة تقاطع خطرة: حيث يتداخل الصراع الإقليمي مع المنافسة الدولية، ويمكن لأي شرارة محلية أن تكتسب أبعاداً عالمية.

 

إذن نصل للسؤال الأهم: أي نوع من الحروب تختار الأطراف أن تخوض — وأي شرق أوسط سيخرج من تحت أنقاضها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top