في المشهد السوري الراهن، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للترفيه أو التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ساحة وجودية يُحدد من خلالها وجوه البشر، هذه الظاهرة التي نعيشها اليوم تتجاوز مفهوم “التريند” لتصبح معادلة معقدة تختزل واقع شعب بأكمله، فالسوري اليوم، أينما وجد بات يختبر واقعه مرتين: مرة بشكل مباشر على أرض الواقع، ومرة أخرى من خلال تمثيله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
هذه الظاهرة لم تولد من فراغ، فهي نتاج تراكمي لسنوات من التشظي الجغرافي والاجتماعي، فمع تشتت السوريين في الهجرة والنزوح، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هي الموطن الوحيد الذي يمكن اللقاء فيها، لكن هذا الموطن الافتراضي يحمل في طياته تناقضاً جوهرياً، إذ أنه فضاء لا يخضع لأي قانون سوى قانون التفاعل والانتشار، ولا يوجد له ضوابط تضبطه، سوى الحالة اليومية والمزاجية للمتفاعلين.
في هذا السياق، تحولت اللحظة السورية إلى سلعة قابلة للتداول، مشاهد القصف، لقطات الجوع، لحظات الفرح، مخيمات النزوح، القضايا الاجتماعية، كلها أصبحت “محتوى” ينتقي بعناية وينشر في التوقيت المناسب، من أجل الوصول إلى التريند والحصول على أكبر عدد تفاعلات ممكن، لم يعد السوري يعيش مأساته فحسب، بل أصبح منتجاً لها، ومخرجاً لفيلمه اليومي الذي قد يخطف الأضواء لبضع ساعات، ثم يختفي.
أبعاد هذه الظاهرة “التريند”.
لو نظرنا إلى المعنى الدقيق إلى التريند لكان لهذه الظاهرة ثلاثة أبعاد، أولاً “التوثيق الاستعجالي” حيث يوثق السوري لحظاته خوفاً من ضياعها في زحام النسيان وتضاربها مع التريندات الأخرى، ظانًّا أن حقوقه تحتفظ بهذه الطريقة.ثانياً، “البحث عن التعاطف” حيث يصبح المشهد المؤلم وسيلة لجذب انتباه العالم، وتعاطفهم معه، أما ثالثاً، والأخطر “التنافس على الظهور” حيث تتحول المعاناة إلى ميدان سباق نحو الترند، هدفه الحصول على تفاعلات أكثر.
هذا التعدد في الأبعاد يخلق مفارقة لافتة، نفس المشهد الذي ينشره سوري في إدلب لاستنجاد بالعالم، وتقديم العون والمساعدة، قد ينشره آخر في مدينة أخرى، بهدف توثيق حياته اليومية، وثالث في ألمانيا بدافع الحنين والشوق إلى الوطن، كلهم يستخدمون الهاشتاغ نفسه، لكن دوافعهم مختلفة، وتلقائية مشاعرهم متفاوتة.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن هذا الكم الهائل من المحتوى السوري ينتج في النهاية “ضجيجاً” أكثر مما ينتج “معنى” فالمشاهد تتكرر، واللقطات تتشابه، والمتلقي العالمي يصاب بالضجيج تدريجياً، ما كان صادماً في البداية أصبح عادياً، وما كان مستنفراً للضمير تحول إلى ضوضاء خلفية.
ما هي أبزر سلبيات هذه الظاهرة؟
الحديث عن سلبيات هذه الظاهرة ليس تقليلاً من قيمة التوثيق، بل محاولة لفهم الآثار الجانبية الخطيرة لهذا التحول، ويمكن حصر هذه السلبيات في عدة نقاط أساسية وهي:
أولاً: تحويل القضية إلى موضة عابرة
القضية السورية بكل أبعادها الإنسانية والسياسية والتاريخية، لم تعد تُقرأ في سياقها الشامل، صارت تُختصر في لحظات “تريند” سريعة، تتصدر المشهد لبضع ساعات ثم تختفي تحت وابل من الترندات الأكثر حداثة وجاذبية، هذا التحويل للمأساة إلى “موضة” يجردها من عمقها ويحوّلها إلى مادة استهلاكية سريعة التلف.
ثانياً: تشويه الأولويات
في سباق الوصول إلى التريند، تشوه الأولويات بشكل خطير، المشاهد الأكثر إثارة هي التي تتصدر، وليس بالضرورة الأكثر أهمية، مشهد طفل يبكي على أنقاض منزله قد يتفوق على تقرير متعمق حول أوضاع المعتقلين، لمجرد أن الأول أكثر قابلية للانتشار، هذا الخلل في الأولويات يخلق صورة مشوهة عن الواقع السوري، حيث يطغى “المثير” على “العميق”، و”السريع” على “الدائم”، وقد ينشر مشهد تافه من شخص صاحب تفاعل قوي، يقضي على كثير من القضايا المهمة، هذا الانحطاط في العالم الرقمي يعود بسوريا إلى الوراء.
ثالثاً: الإدمان الرقمي والانفصال عن الواقع
الانغماس في صناعة المحتوى والبحث عن التفاعل يخلق حالة من الإدمان الرقمي.
سوريون كثر يقضون ساعات يومياً في متابعة تفاعل منشوراتهم، من أجل الحصول على التريند، في وقت كان يمكن استثماره في نشاطات أكثر إنتاجية على أرض الواقع، هذا الانفصال عن الواقع المادي يزيد من حالة العزلة والاغتراب، خاصة في أوساط المغتربين.
رابعاً: استغلال المأساة تجارياً
لعل أخطر السلبيات هي تحول المأساة السورية إلى سوق تجاري حقيقي، صفحات تبيع وتشتري، ومنصات تتاجر بالألم، وصناع محتوى يحولون معاناة شعب بأكمله إلى مصدر دخل شخصي.
هذا الاستغلال التجاري يضرب ويشوه القيمة الأخلاقية للتوثيق، ويحوله من فعل إنساني نبيل إلى مجرد سلعة في سوق المشاهدات.
خامساً: تفكك خطاب القضية
الخطاب السوري على وسائل التواصل أصبح خطاباً مشتتاً، تائه الاتجاه، كل هاشتاغ يروي جزءاً من الحكاية، لكن لا أحد يستطيع تجميع الأجزاء في صورة واحدة متماسكة، هذا التشتيت يخدم بالدرجة الأولى من يريدون طمس الحقيقة السورية، أو تحويلها إلى فوضى لا تُقرأ.
يا ترى هل وقعنا في فخ التريند؟
أم ما زال في الإمكان الخروج منه؟
لا يمكن الحديث عن حلول دون وعي عميق، بأن العودة إلى ما قبل الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي مستحيلة، لكن يمكننا العمل على توجيه هذه الأدوات بشكل أكثر إنسانية وفعالية، بحيث تكون ذات منهجية في التوثيق ونقل الواقع السوري.
أولاً: مفهوم التوثيق
علينا استعادة مفهوم التوثيق كقيمة في حد ذاته، وليس كوسيلة للتفاعل، التوثيق الحقيقي هو الذي يضع نصب عينيه السؤال: هل سيكون لهذا المشهد قيمة بعد عشر سنوات؟” بدلاً من “كم مشاهدة سيجني خلال ساعة؟”. إعادة الاعتبار للتوثيق ، المتأني، العميق، الحقيقي، هو الخطوة الأولى لاستعادة التوازن الحقيقي.
ثانياً: العمل على خطاب متكامل بدلاً من الجزئيات
بدلاًمن الاجتزاء والكلمات المتفرقة، نحتاج إلى مشاريع سردية كبرى تقدم القضية السورية في سياقها التاريخي والاجتماعي الشامل، أفلام وثائقية، كتب، أرشيفات رقمية منظمة، منصات تحليل معمق، هذا النوع من المحتوى هو الذي يصمد أمام اختبار الزمن، ويقدم صورة حقيقية عن سوريا، وليس اقتباسات مقتطفة من وقائع وحكايات طويلة.
ثالثاً: التربية الإعلامية
الجيل الجديد من السوريين ينشأ في بيئة رقمية مشبعة بالمحتوى السطحي، هناك حاجة ماسة إلى برامج تربية إعلامية تعلم الأطفال والشباب كيفية التعامل النقدي مع المحتوى، وكيفية التمييز بين المهم والتافه، وترتيب الأولويات، وكيفية توظيف الأدوات الرقمية بشكل مسؤول.
رابعاً: تفعيل دور المؤسسات الثقافية والإعلامية
المؤسسات الثقافية السورية مطالبة بلعب دور أكبر في توجيه البوصلة، عبر إنتاج محتوى نوعي، ودعم المبدعين الحقيقيين، والاهتمام بصناع المحتوى الحقيقي، بدلاً من أصحاب محتوى التريندات، “الهابط”، وخلق مساحات للنقاش المهم، من خلال هذه الإجراءات، يمكن لهذه المؤسسات أن تشكل ثقلاً موازياً لسطوة التريند السطحي.
خامساً: وعي جماعي بخطورة الاستلاب الرقمي
أخيراً والأهم، نحتاج إلى حالة وعي جماعي تفضي إلى “ثورة صامتة” ضد الاستلاب الرقمي، أن ندرك جميعاً أن قيمتنا لا تقاس بعدد المتابعين، وأن مأساتنا ليست مادة للمسابقات، هذا الوعي لا يأتي بقرار، بل يتراكم عبر النقاش والنقد الذاتي المستمر.
في الختام، لا تكمن المشكلة في التريند بحد ذاته، بل في الطريقة التي أصبحنا نتعامل بها معه، فالوسائط الرقمية، مهما بدت عابرة وسريعة، هي في الحقيقة أدوات تصنع الذاكرة الجماعية للأمم، وإذا استُخدمت بلا وعي، فإنها لا توثّق المأساة بقدر ما تستهلكها وتفرغها من معناها.
القضية السورية أكبر من أن تُختزل في وسمٍ عابر، وأعمق من أن تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاركات، إن التحدي الحقيقي أمام السوريين اليوم ليس فقط في نقل معاناتهم إلى العالم، بل في حماية معنى هذه المعاناة من التبديد في ضجيج المنصات الرقمية.
فبين التوثيق الصادق وصناعة التريند مسافة أخلاقية كبيرة، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق كل سوري يستخدم هذه المنصات.






