الساحة في طرطوس القديمة (مواقع التواصل)

ليالي العشر الأواخر من رمضان في طرطوس لم تكن تشبه سواها. كان الليل هناك يحمل نداءً خافتاً يعرفه الجميع، نداءً يقول إن الشهر المبارك يوشك على الرحيل، وإن “المودّعين” سيعبرون الأزقة بعد قليل.

في تلك المدينة الساحلية، حين كانت الحارات أضيق والقلوب أقرب، اعتاد الناس أن ينتظروا جوقة صغيرة من الشبان، يتقدّمهم صوت الحاج الأدهم (رحمه الله)، وهم يجوبون “الساحة” و”البرية” و”المينا” و”الخندق”، مرددين أناشيد الوداع، كأنهم يرافقون رمضان في خطواته الأخيرة.

السيدة يمن فوز، من أهالي طرطوس القديمة – شارع المينا، أعادت في حديثها لمؤسسة جولان الإعلامية رسم تلك الصورة التي لم تغب عن ذاكرتها.

وأشارت فوز إلى أن المدينة كانت تُقسَّم إلى عدة حارات، منها “البرية” و”الساحة” و”الميناء”، وكان لكل حيّ دوره في استقبال “المودّعين”، مضيفةً أنهم كانوا ينتظرون هذا الموعد بشغف كبير.

وقالت لمؤسسة جولان الإعلامية: “كنا نستنى كل يوم بحارة… لحتى ييجي دورنا”، لافتةً إلى أن حارة الميناء كانت غالباً ما تنال هذا الدور في ليلة السادس والعشرين، التي كانت تُصادف أحياناً ليلة القدر.

وأضافت أن الانتظار كان يمتد حتى ما بعد منتصف الليل، “كنا نضل سهرانين لبعد الساعة 12… أول ما نسمع الصوت، نعرف إنهم وصلوا”.

وتابعت أن الجوقة كانت بقيادة الحاج الأدهم (رحمه الله)، واصفةً إياه بأنه “إنسان طيب وشيخ رائع”، مشيرةً إلى أنه كان يشارك في هذه الجولات برفقة عدد من أبنائه.

لم يكن العدد كبيراً، كما أوضحت، “يمكن ثلاثة أو أربعة مع الحاج الأدهم وأولاده”، لكن الصوت كان يملأ المكان. توقّفهم بين البيوت، تشكيلهم حلقة صغيرة، وضربهم على طبل بسيط، كان كفيلاً بأن يغيّر شكل الليل كله.

وأشارت إلى أن الأناشيد كانت حالة كاملة من الشوق والرهبة، “كلها كانت عن وداع رمضان… عن الشوق… عن الإيمان”.

الأطفال كانوا أول من يخرج إلى الشارع. وقالت فوز إنهم كانوا يركضون نحو الجوقة بفرح، يحملون ما أعطاهم الأهل من نقود وهي “العيدية” ، “كنا نحسها أحلى ليلة… ليلة التوديع”.

أما النساء، فكنّ جزءاً من المشهد بطريقة مختلفة. من خلف “الشعرية” – تلك النوافذ الخشبية المزخرفة – كنّ يتابعن بصمت، أحياناً مع إطفاء الضوء، يراقبن دون أن يُرَين، في تقليد يعكس خصوصية المكان وزمانه.

وأضافت أن صوت الحاج الأدهم كان علامة لا تُخطئ، “كنا نميّزه فوراً… هو وأولاده محمد ومحمود وخالد… أصواتهم كانت معروفة، ومحبوبة”.لكن هذه الصورة، كما تؤكد، لم تعد كما كانت.

فمع اتساع المدينة وتبدّل شكل الحياة، انتقل “المودّعون” من الأزقة إلى الشوارع الواسعة، ومن السير على الأقدام إلى السيارات، ومن الحلقات الصغيرة إلى مكبّرات الصوت.

وأوضحت لمؤسسة جولان الإعلامية أن هذا التغيير لم يكن شكلياً فقط، بل مسّ جوهر التجربة، “اليوم بتمر السيارة وبتنشد… بس ما في الوقفة ما في القعدة، ما في نفس الشعور”.

وتضيف أن الحميمية التي كانت تميّز تلك الليالي تراجعت، “زمان كانوا يوقفوا بين البيوت… نحس فيهم، نحكي معهم، نعيش اللحظة”.

وربطت هذا الإحساس أيضاً بمرحلة الطفولة، وبحضور الأهل وتأثيرهم، معتبرةً أن الإيمان كان يُعاش بطريقة أبسط وأعمق في آن واحد.

ورغم كل التغيّرات، لا تزال تلك الليالي حيّة في الذاكرة، بتفاصيلها الصغيرة: صوت الطبل، تجمع الأطفال، همسات النساء خلف النوافذ، ورائحة الليل حين كان رمضان يُودَّع ببطء.

وتختم فوز حديثها لمؤسسة جولان الإعلامية، وهي تستعيد تلك اللحظات، بكلمات وجّهتها إلى حفيدها، بنبرة يختلط فيها الحنين بالأمنية:
“يا ريت ترجع هالأيام… ونعيش هاللحظات متل زمان”.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top