شهدت المرحلة الجديدة في سوريا مؤشرات انفتاح لافتة تمثّلت في استدعاء عشرات الكفاءات الوطنية من الخارج وعقد لقاءات رفيعة المستوى جمعتهم برئيس الجمهورية أحمد الشرع، وسط أجواء اتسمت بالصراحة وتبادل الرؤى. إلا أن هذه المبادرات لم تُترجم إلى خطوات تنفيذية على أرض الواقع، حيث توقفت مخرجات الاجتماعات عند حدود النقاش، دون متابعة عملية أو قنوات مؤسسية تستوعب تلك الطروحات.
ويرى مراقبون أن الفجوة بين الإرادة السياسية والتنفيذ الإداري ما تزال تمثل العائق الأبرز أمام الاستفادة من الخبرات السورية في الخارج، رغم الحاجة الملحّة لها في مرحلة إعادة البناء.
في هذا السياق، قدّم الدكتور “وائل ميرزا”، في تحليل حديث، قراءة لأبرز الأسباب التي تعيق توظيف هذه الكفاءات، محدداً أربعة عوامل رئيسية تقف خلف هذا التعثر.
أول هذه العوامل، بحسب ميرزا، يتمثل في وجود طبقة من المستشارين والمساعدين تحيط بصنّاع القرار، وتشكّل ما يشبه “حاجزاً إدارياً” يحدّ من وصول الكفاءات الجديدة، بدافع الحفاظ على المواقع والنفوذ داخل المؤسسات.
أما العامل الثاني، فيرتبط بما وصفه بـ”فوبيا الكفاءة”، حيث يميل بعض المسؤولين إلى تجنب استقطاب الخبرات القوية خشية منافستها، مفضلين العمل ضمن بيئة أقل كفاءة تضمن لهم السيطرة المهنية.
وفي العامل الثالث، يلفت ميرزا إلى إشكالية الخلط بين الخبرة العملية المتجددة والتعليم الأكاديمي التقليدي، مشيراً إلى أن المؤسسات بحاجة إلى كفاءات تمتلك القدرة على الابتكار والتكيّف مع المتغيرات، لا الاكتفاء بمعرفة جامدة لم تتطور مع الزمن.
كما يشير التحليل إلى عامل رابع يتعلق ببعض الخبرات القادمة من الخارج، التي تكتفي بزيارات قصيرة دون التزام طويل الأمد، ما يحدّ من إمكانية تحقيق أثر فعلي، ويؤدي إلى هدر الوقت والموارد في مراحل التعريف دون الوصول إلى نتائج ملموسة.
ويخلص ميرزا إلى أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب انتقالاً من المبادرات الشكلية إلى العمل المؤسسي المستدام، عبر خلق بيئة قادرة على استيعاب الكفاءات، وتوفير آليات تنفيذ واضحة، إضافة إلى تعزيز ثقافة الانفتاح على الخبرات داخل المؤسسات.
وتبقى مسألة ردم الفجوة بين الطموح والواقع اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة السورية على تحويل الانفتاح السياسي إلى نتائج عملية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه البلاد في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
- ميساء الشيخ حسين






