أرشيفية عناصر من الحرس الوطني أثناء اشتباكات فيما بينهم بالسويداء مواقع تواصل

في منشور حاسم وواضح لا يحتمل التأويل ، أعلن “سليمان عبد الباقي”، مدير الأمن الداخلي في السويداء، عن اقتراب موعد دخول قوات الحكومة السورية إلى المدينة. كانت الرسالة أشبه بإعلان سياسي موجه لسكان محافظة عاشت لسنوات في حالة استثنائية.
 عبد الباقي كان دقيقاً في اختيار مفرداته: “إعادة هيبة الدولة”، و”حماية السكان”، و”محاسبة كل من ارتكب جرماً أو استغل القضية”، مع التأكيد على أن حقوق من دافع عن أرضه وكرامته محفوظة. كما شدد على أن الأولويات ستكون للإعمار والزراعة والتعليم ومكافحة المخدرات والخطف عبر المؤسسات الرسمية، وكأنه يريد أن يقول لأهالي السويداء: هذه المرة مختلفة.
 
السويداء خلال السنوات الماضية كانت حالة فريدة في المشهد السوري. ليست خارجة عن الدولة، لكنها ليست مندمجة فيها بالكامل أيضاً.
 نشأت فيها قوى محلية مسلحة تحت عناوين متعددة، بعضها بدأ كحراك احتجاجي ثم تحول إلى تشكيلات تحمل السلاح بحجة حماية المحافظة. ومع الوقت، تمددت شبكات غير منضبطة من الخطف والمخدرات والتجارة غير المشروعة، مستغلة الفراغ النسبي وضعف القبضة الأمنية. ما كان يُقدم كحماية للسكان تحول تدريجياً إلى أعباء إضافية عليهم، وسط حالة من الإرباك الأمني لم تعد قابلة للاستمرار.
 
هنا تكمن أهمية التحرك المرتقب. الدولة تريد إنهاء صيغة الإدارة غير المكتملة وإعادة الإمساك بالملف مباشرة، لكنها أمام امتحان صعب ودقيق. المجتمع في السويداء شديد التماسك، ذاكرة أهله طويلة، وحساسيتهم تجاه أي تدخل خارجي حادة. التركيبة الاجتماعية والدينية فيها معقدة، وأي خطأ في التعامل قد يتحول إلى جرح لا يندمل بسرعة. لذلك فإن نجاح العملية لن يُقاس بعدد الدوريات أو نقاط التفتيش، ولا بعدد المسلحين الذين جرى نزع سلاحهم، ولكن بسؤال جوهري: هل سيشعر الناس أن القانون صار يحميهم جميعًا دون استثناء؟
 
الرسائل المعلنة في منشور عبد الباقي تحمل وعوداً واضحة: محاسبة الفاسدين والمجرمين، وحماية المواطنين، وعودة المؤسسات، ومكافحة الآفات التي تفشت خلال السنوات الماضية. لكن الأهم هو كيف ستترجم هذه الوعود على الأرض.
 إذا نجحت الدولة في تثبيت مؤسساتها وفرض قواعد موحدة ومحاسبة حقيقية بعيداً عن الانتقائية، فإنها تستعيد ثقة مفقودة منذ سنوات. أما إذا اختزل الأمر في انتشار أمني بلا رؤية سياسية واضحة، أو تحول الدخول إلى تصفية حسابات، فسيظل الاستقرار هشاً، وستبقى السويداء قنبلة موقوتة.
 
ما يجري اليوم في السويداء ليس مجرد خطوة أمنية عابرة. إنه لحظة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها في واحدة من أكثر المناطق حساسية.
 عبد الباقي قالها بوضوح: “الحماية الحقيقية لأبناء السويداء لا تتحقق إلا عبر دولة قوية وقانون عادل، وليس عبر تدخلات خارجية تزيد التصعيد وتغلق أبواب الحوار”.
في هذه اللحظات، لا يُحسم المشهد بالقوة وحدها، ولكن بكيفية إدارة ما بعد الدخول. فالامتحان الحقيقي يبدأ عندما تصل القوات إلى المدينة، وعندها سيتحدد ما إذا كانت السويداء ستتحول إلى نموذج ناجح لعودة الدولة، أم إلى عنوان جديد للأزمات المؤجلة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top