السيدة بسمة بركات

لم تأتِ تجربة بسمة بركات إلى الفن من باب الهواية العابرة، بل تشكّلت على مهل، عبر مسار طويل جمع بين القانون، والعمل الحقوقي، والبحث عن أدوات بديلة للتعبير والتمكين.

مواليد رأس العين/ الحسكة عام 1988، درست الحقوق في جامعة تشرين في اللاذقية، قبل أن تقودها ظروف الحياة والاستقرار إلى مصر، حيث تقيم منذ أحد عشر عاماً. هناك، بدأت تتبلور ملامح تجربة خاصة، ترى في الفن امتداداً للعدالة، وفي الجمال شكلاً آخر من أشكال الدفاع عن الإنسان.

سيرة تتقاطع فيها الحقوق والفن

عملت بسمة بركات لسنوات في المجال الحقوقي، وقدّمت استشارات قانونية، وشاركت في أنشطة تُعنى بقضايا المرأة، خصوصاً خلال إقامتها في تركيا. غير أن احتكاكها اليومي بالنساء كشف لها محدودية الأدوات التقليدية في إحداث تغيير فعلي، لتبدأ بالبحث عن مساحات بديلة تمنح المرأة قوة ملموسة، لا تقوم فقط على الخطاب، بل على المهارة والاستقلال الاقتصادي.

وفي حديثها لمؤسسة جولان الإعلامية، أوضحت بركات أن انتقالها من القانون إلى الفن لم يكن قطيعة، بل تحوّلاً في الأداة، قائلة: «كنت أبحث دائماً عن العدالة، لكنني أدركت مع الوقت أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي. الفن منحني وسيلة أخرى للدفاع عن الإنسان، وخصوصاً عن المرأة. حين تمسك المرأة بأداة وتُنتج عملاً بيديها، فهي لا تصنع قطعة فنية فحسب، بل تصنع ثقتها بنفسها واستقلالها».

شغف قديم يتخذ شكله

منذ طفولتها، لفت انتباهها فن الديكوباج، ذلك الفن القائم على إعادة إحياء الأشياء المهملة ومنحها حياة جديدة. ومع الوقت، تحوّل هذا الفضول المبكر إلى مسار تعلّم جاد، حيث تلقت تدريبات وشاركت في ورش عمل مع فنانين من جنسيات مختلفة، من تركيا والولايات المتحدة وألمانيا.

لم يكن الطريق سريعاً؛ فالممارسة الطويلة، والصبر، والتجريب، شكّلت جميعها أساساً للإتقان، قبل أن تنتقل من مرحلة التعلم إلى الإنتاج، ثم إلى التميّز، وصولاً إلى تعليم هذا الفن للآخرين، بعد حصولها على شهادة مدرّب دولي معتمد، إلى جانب دكتوراه فخرية في الفنون.

الفن بوصفه أداة تمكين

خلال عملها في مراكز تُعنى بالمرأة، نجحت بركات في تحويل الفن من مساحة شخصية إلى أداة جماعية للتمكين. نظّمت ورشات تدريبية في الأشغال اليدوية، وخصوصاً الديكوباج، موازية لعملها القانوني، لتكتشف أن الفن لا يمنح النساء مهارة فحسب، بل يمنحهن صوتاً، وثقة، وإمكانية حقيقية للاعتماد على الذات.

وتضيف في حديثها لمؤسسة جولان الإعلامية: «الفن بالنسبة لي ليس ترفاً، بل مساحة مقاومة هادئة، نحمي فيها ذاكرتنا، ونستعيد صوتنا، ونثبت أننا قادرون على تحويل الألم إلى طاقة حياة».

الديكوباج خارج القالب التقليدي

ترى بركات أن الديكوباج فن مفتوح على الاحتمالات، يمكن تطبيقه على الزجاج، والجدران، والقماش، والحقائب، والأثاث، كما يمكن دمجه مع تقنيات أخرى، بعيداً عن القوالب الجاهزة. هذه المرونة دفعتها إلى البحث والتجريب، وعدم الاكتفاء بالشكل الكلاسيكي المتداول.

الفيلوغرافيا: فن يقوم على الصبر والدقة

ضمن هذا البحث، تعرّفت إلى فن الفيلوغرافيا، القائم على تشكيل اللوحات باستخدام المسامير والخيوط أو الأسلاك المعدنية، وهو فن تعود جذوره إلى الحضارة العثمانية، ويرتبط بالزخرفة الإسلامية والخط العربي.

جذبها في هذا الفن ذلك الاشتباك بين الصبر والدقة، وبين البساطة والغنى البصري، إضافة إلى قابليته للحوار مع الديكوباج.

كسر القوالب ودمج الفنون

عملت بسمة بركات على دمج الفيلوغرافيا مع الديكوباج، مستخدمة تقنيات التعتيق، والتلوين، وورق الرز، والخشب المعالج، لتبتكر خلفيات جديدة تحرّر اللوحة من شكلها التقليدي. هذا الدمج لم يكن تقنياً فقط، بل فكرياً أيضاً، إذ حوّل العمل الفني إلى مساحة متعددة الطبقات، تحمل أبعاداً جمالية وثقافية متداخلة.

هوية عابرة للحدود

تعكس أعمال بركات تنقّلها بين سوريا وتركيا ومصر، حيث تتقاطع في لوحاتها ملامح التراث السوري، مع التأثير العثماني، والفضاء الثقافي المصري. وتؤكد أن كل عمل فني بالنسبة لها هو كيان متكامل، لا مجرد قطعة للعرض، وهو ما خلق تفاعلاً لافتاً في المعارض، وفتح نقاشات حول هوية الفن ووظيفته.

الفن كاقتصاد بديل

في ظل الأزمات الاقتصادية، تبرز أهمية الفنون اليدوية بوصفها مشاريع صغيرة قابلة للاستمرار، خصوصاً أنها تعتمد على إعادة التدوير والعمل اليدوي. وقد شاركت بسمة بركات في معارض وفعاليات داعمة للمرأة في تركيا ومصر، حضورياً وعبر الإنترنت، وقامت بتدريب أكثر من 200 سيدة من فئات عمرية وجنسيات مختلفة.

تركّز رسالة بسمة بركات على كسر الصورة النمطية التي حاصرت المرأة السورية خلال سنوات الحرب، مؤكدة أن هذه المرأة ليست ضحية دائمة، بل فاعلة، قادرة على الخلق، وحمل هوية جمالية ومعرفية رغم كل ما مرّت به.

وتؤمن بأن الإبداع ليس ترفاً، بل فعل مقاومة هادئة، وأن تحويل الألم إلى جمال هو أحد أشكال استعادة الصوت، والوجود، والكرامة.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top