ليس افتتاح إذاعة دمشق بعد التحرير خبراً عابراً في نشرة، ولا حدثاً إدارياً يُؤرَّخ بتوقيت وبثٍّ تجريبي، بل هو استعادةٌ لصوتٍ سُرق طويلاً، وذاكرةٍ أُسيء إليها، ووجدانٍ جمع السوريين على اختلاف أجيالهم ولهجاتهم وأمكنتهم.
إذاعة دمشق لم تكن يوماً مجرد أثير، بل كانت بيتاً مفتوحاً لكل السوريين. منها تعلّمنا كيف تُقال العربية بكرامة، وكيف تُحكى الحكاية بلا ضجيج، وكيف يصبح الصوت وطناً متنقلاً. منذ أن قال الأمير يحيى الشهابي، بصوته الرخيم: “هنا دمشق“، لم تكن العبارة إعلان بث، بل إعلان هوية. كان ذلك في الثالث من شباط عام 1946، يوم خرج صوت دمشق إلى العالم، لتكون ثاني إذاعة عربية بعد القاهرة، وصوتاً واثقاً يعرف ماذا يقول، ولمَن يقول.
في ذلك الزمن، كانت الإذاعة ذاكرة جمعية كاملة. صباحات تبدأ بـ “مرحباً يا صباح“ مع “فريال أحمد” و”مخلص الورار”، وبيوتٌ تضبط يومها على نبرة الصوت لا على عقارب الساعة. برامج تحاكي يوميات الناس، تحفظ تراثهم، وتداوي أوجاعهم بالكلمة المسؤولة. دراما إذاعية صنعتها أسماء مثل “حكمت محسن” و”تيسير السعدي”، وبرامج ثقافية كـ”آفاق مسرحية” و”صوت في الذاكرة”، كانت تشبه السوريين: بسيطة، عميقة، صادقة.
من هذا الأثير خرج أول صوت نسائي، صوت المرحومة التي غادرتنا قبل أيام الفنانة “هدى شعراوي”، مع عبلة أيوب الخوري، كما فتحت إذاعة دمشق أبوابها للأصوات العربية، فمرّت فيروز وعبد الحليم وغيرهما، لا كضيوف، بل كجزء من مشهد ثقافي عربي حي.
وصل بث الإذاعة إلى كل سوريا، إلى “الجولان”، وإلى ما وراء الحدود. ناقشت القضايا الوطنية والقومية، ولامست هموم الناس بأخلاقيات مهنة كانت دستوراً لا شعاراً. ثم بدأ الانحدار، حين تحوّل الإعلام الإذاعي من منبر معرفة إلى بوق سلطة، ومن لغة عربية سليمة إلى خطاب أعوج، مسيّس، خاضع للحزب الواحد، ومفرغ من روحه.
مع حكم عائلة الأسد، لم يُدمَّر الحجر وحده، بل دُمّر الصوت أيضاً. أصبحت دمشق، التي كانت عاصمة للحضارة، عاصمة للقهر والجوع، وصار الأثير الذي جمع السوريين يوماً أداة لتلميع القتلة، وتبرير الجرائم، وغسل الوعي. من الجولان الذي سُلّم وكُذبت روايته، إلى الغوطتين وداريا وجوبر، كان الصوت الرسمي شريكاً في الجريمة، لا شاهداً عليها.
لهذا، فإن عودة إذاعة دمشق اليوم ليست عودة جهاز بث، بل امتحان أخلاقي وثقافي. هل يعود الصوت إلى أهله؟ هل تستعيد الإذاعة دورها كمنبر لكل السوريين، لا منصة لسلطة؟ هل تحافظ على إرثها الثقافي واللغوي، وتكون بحجم التضحيات الهائلة التي قدّمها هذا الشعب؟
نأمل أن تكون الانطلاقة الجديدة على قدر الاسم، وعلى قدر الذاكرة، وعلى قدر الجرح. أن تعود “هنا دمشق” جملةً جامعة، لا إقصائية. صوتاً للحقيقة، لا للإنكار. مساحةً لكل السوريين، لا مرآةً لسلطة جديدة.
التوفيق لكل الزملاء الذين يعملون اليوم على إعادة هذا الصوت إلى مكانه الطبيعي. فدمشق لا تحتاج إلى إذاعة جديدة…
تحتاج فقط أن تُسمَع كما كانت: صادقة.






