في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على مؤسسات الدولة، برزت إلى العلن قضية فساد مالي جديدة داخل إحدى الجهات الحكومية، لتعيد ملف حماية المال العام إلى الواجهة. فقد كشفت تحقيقات رقابية عن اختلاس مالي تجاوز المليار ليرة سورية في أحد فروع المؤسسة العامة للطباعة، في واقعة وُصفت بأنها من أكبر المخالفات المكتشفة خلال الفترة الأخيرة في هذا القطاع.
القضية بدأت مع جولة رقابية نفذتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ضمن برنامجها الدوري لمتابعة أداء المؤسسات العامة. وما إن دخلت الفرق المختصة إلى الفرع المعني، حتى بدأت المؤشرات الأولى للخلل تظهر في السجلات والمستودعات، حيث لوحظ وجود فروقات كبيرة بين القيم الدفترية والموجودات الفعلية، إلى جانب نقص واضح في مبالغ كان يفترض تحصيلها وتسجيلها وفق الأصول.
التحقيقات كشفت أن قيمة العجز المالي بلغت نحو مليار وسبعين مليون ليرة، ناتجة عن اختلاسات مرتبطة بإدارة المستودعات وسوء ضبط العمليات المالية، إضافة إلى مخالفات إدارية تتعلق بعدم الالتزام بالقوانين الناظمة لتقييد السجلات وتنظيم المخرجات. هذه الثغرات عكست ضعف الرقابة الداخلية وتراكم ممارسات خاطئة سمحت بحدوث هذا الحجم من الهدر.
أمام هذه المعطيات، سارعت الجهات المختصة إلى اتخاذ إجراءات قانونية واحترازية، شملت الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين، ومنعهم من السفر، في خطوة تهدف إلى ضمان استرداد الأموال المختلسة وعدم ضياع الحقوق المالية للدولة. كما جرى اتخاذ قرار إداري بإنهاء تكليف مدير الفرع، في رسالة واضحة بأن المسؤولية تشمل الإدارة والإشراف ولا تتوقف عند المنفذين فقط.
هذه القضية لا تُقرأ بمعزل عن سياق أوسع، إذ تأتي ضمن سلسلة ملفات فتحتها الجهات الرقابية خلال الفترة الماضية، في محاولة لإعادة ضبط العمل داخل المؤسسات العامة، بعد سنوات من التراكمات الإدارية والمالية التي أضعفت كفاءة بعض القطاعات. وتؤكد هذه الملفات أن الفساد لم يكن حادثة فردية فحسب، وإنما ظاهرة استغلت غياب المتابعة الدقيقة والرقابة الفاعلة في مراحل سابقة.
بالنسبة للرأي العام، تمثل هذه القضايا اختباراً حقيقياً لجدية إجراءات المحاسبة، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث يُنظر إلى كل ليرة من المال العام على أنها مورد أساسي يجب حمايته. كما تفتح هذه القضية الباب أمام تساؤلات أوسع حول ضرورة تحديث أنظمة الرقابة، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، تبقى هذه القضية مؤشراً على أن ملفات الفساد باتت أكثر حضوراً في المشهد العام، وأن كشفها جزءاً من مسار طويل لإعادة الانضباط إلى مؤسسات الدولة، واستعادة الثقة بأن المال العام لم يعد متروكاً بلا حراسة.
- أحمد محمد العمر






