افتتحت المحكمة الإقليمية العليا في مدينة “كوبلنتس” الألمانية جلسات محاكمة خمسة متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي شهدها مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق بين عامي 2012 و2016، في خطوة جديدة ضمن مسار المحاسبة الدولية للجرائم المرتكبة خلال النزاع السوري، وذلك استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية المعتمد في القانون الألماني.
ووفق ما عُرض في الجلسة الأولى، يواجه المتهمون جهاد أ.، محمود أ.، مظهر ج.، سمير س.، ووائل س. اتهامات بالمشاركة في هجوم واسع النطاق ومنهجي استهدف السكان المدنيين داخل مخيم اليرموك، شمل القتل العمد، والتعذيب، وسلب الحرية، والمعاملة القاسية، إلى جانب التسبب بتجويع المدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى وفاة عدد من الضحايا داخل المخيم نتيجة الجوع والمرض وسوء المعاملة.
وخلال افتتاح المحاكمة، تلت النيابة العامة لائحة الاتهام التي فصّلت الأفعال المنسوبة إلى كل متهم، معتبرة أن الجرائم ارتُكبت في سياق نزاع مسلح غير دولي، وتشكل جرائم ضد الإنسانية بموجب قانون الجرائم الدولية الألماني، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي أخطر الانتهاكات بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجريمة.
وأوضحت النيابة أن التحقيقات استندت إلى مجموعة واسعة من الأدلة، شملت شهادات ناجين من داخل المخيم، ووثائق وتقارير حقوقية، إضافة إلى إفادات خبراء، تؤكد أن الانتهاكات لم تكن أحداثاً فردية معزولة، بل جزءاً من سياسة ممنهجة استهدفت المدنيين، عبر فرض حصار خانق، ومنع الغذاء والدواء، وتقييد حركة السكان، وارتكاب ممارسات قمعية أدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية بشكل كارثي.
في المقابل، تقدم محامو الدفاع بدفوع إجرائية طالبوا فيها بإسقاط التهم أو وقف المحاكمة، مستندين إلى التشكيك باختصاص المحكمة الألمانية، والطعن بكفاية الأدلة المقدمة، إلا أن هيئة المحكمة رفضت هذه الطلبات، واعتبرت أن الأسس القانونية متوافرة لمواصلة النظر في القضية، مؤكدة صلاحيتها للنظر في الجرائم محل الاتهام.
وأعلنت رئاسة المحكمة تثبيت التهم وبدء المحاكمة رسمياً، على أن تُستكمل الجلسات في مواعيد لاحقة، حيث من المقرر الاستماع إلى الشهود، ومناقشة الأدلة المقدمة، ثم الانتقال إلى مرافعات الادعاء والدفاع قبل إصدار الأحكام.
وتُعد هذه القضية واحدة من أبرز المحاكمات الأوروبية المتعلقة بجرائم ارتُكبت خلال النزاع السورية، وتعكس استمرار توجه القضاء الألماني لاستخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، في ظل تعثر مسارات العدالة داخل سوريا، ما يمنح الضحايا وأسرهم نافذة قانونية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم، ولو خارج الأراضي السورية.
- فريق التحرير






