في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قيمة المواقف بعلوّ الأصوات، بل بعمق الرؤية، ولا يُختبر صدق الانتماء بكثرة الشعارات، بل بالوقوف الصريح إلى جانب الدولة والوطن حين تتكشّف الحقائق وتتهاوى الأقنعة. وما تشهده الساحة السورية اليوم، ولا سيما في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، يضع الجميع أمام سؤال جوهري: هل تستفيد الأصوات النشاز، التي اعتادت التغريد خارج السرب الوطني، من مسار اندماج “قسد”؟ أم أن هذا المسار يفضح عزلتها ويجردها من آخر ذرائعها؟
لقد أحدثت هذه الأصوات، خلال الفترة الماضية، شرخاً عميقاً في النسيج الوطني السوري، وساهمت – عن وعي أو مصلحة – في تغذية خطاب انقسامي ضرب جوهر العيش المشترك، خصوصاً في جبل العرب، الذي كان عبر تاريخه ركيزة من ركائز الهوية السورية الجامعة. ولم يكن هذا الشرخ وليد أحداث محلية أو ردّات فعل آنية، كما حاول البعض تسويقه، بل جاء نتيجة مسار متكامل من التحريض السياسي والتوظيف الخارجي، تؤكد تسريبات متداولة أن ملامحه بدأت تتشكل فور سقوط النظام البائد، لا بعده، كما يدّعي أصحابه.
إن ما رشح من معطيات، وما تكشف من اتصالات ودعم خارجي، يشي بوضوح أن بعض القيادات التي تتدثر بعباءة “الخصوصية” أو “الحماية” لم تكن تتحرك بدافع الخوف على أهلها، بقدر ما كانت تستثمر في لحظة فراغ سياسي، ساعيةً إلى فرض أمر واقع جديد، ولو على حساب وحدة البلاد. وهذا ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم ليس على تلك الزمر المعزولة، بل على الشرفاء من أبناء السويداء، من جبل العرب الأصيل، أولئك الذين ينتمون إلى سوريا قولاً وفعلاً، ويؤمنون أن الدولة، مهما ضعفت أو تعثرت، تبقى الإطار الوحيد القادر على صون الكرامة وحماية التنوع.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة اتفاق اندماج “قسد” بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدها شمال شرق سوريا. فهذا الاندماج لم يأتِ من موقع قوة، ولا كان ثمرة مشروع سياسي ناضج، بل جاء بعد أن أيقن قادة “الإدارة الذاتية” أن مشروعهم بلغ نهاياته المسدودة، وأنه لا قدرة لهم على مجابهة ” أهل الأرض” المجتمع الذي أنهكته الاعتقالات، وسئم من التجنيد الإجباري ” حتّى للإناث”، وضاق ذرعاً بممارسات قمعية لم تفرّق بين عربي وكردي. لقد اكتشف هؤلاء أن الأرض لا تُحكم بالقوة، وأن الشرعية لا تُستورد، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، لا تقبل أن تُدار بمنطق الفصيل والسلاح.
من هنا، فإن الاتفاق مع “قسد” لا يمكن فهمه إلا بوصفه خطوة لقطع الطريق على مشاريع التفكيك، وبتر يد العبث التي حاولت، لسنوات، اللعب على تناقضات المجتمع السوري. إنه رسالة واضحة بأن وحدة سوريا ليست ورقة تفاوض، ولا ملفاً قابلاً للتجزئة، وأن كل مشروع انفصالي، مهما تلونت شعاراته، محكوم بالفشل. وفي هذا المعنى، يصبح الحديث عن “حماية خارجيةط أو “كيانات مستقلة” مجرد أوهام سياسية، لا مكان لها في واقع إقليمي ودولي يعيد ترتيب أولوياته على أساس الدول لا الميليشيات.
لقد تكشفت الحقائق تباعاً، وبات جلياً أن التنظيمات التي قامت على سلب الحقوق ومصادرة الإرادات ليست سوى كيانات هشة، تفتقر إلى أي سند أخلاقي أو اجتماعي. ولم يكن الأكراد، كما يحاول البعض الإيحاء، مستفيدين من تجربة “قسد”، بل كانوا من أوائل المتضررين منها، تماماً كما العرب. فالقمع واحد، والظلم لا هوية له، وآخر الشواهد ما أثير حول انتهاكات جسيمة، بلغت حد تصفية “سجناء مدينة الطبقة”، في مشهد يعكس عمق الانهيار القيمي والسياسي لتلك البنى.
إن ما يجري اليوم، في السويداء وفي غيرها، يضع السوريين أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف بوصلتهم الوطنية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل هي المنجى الوحيد من هذا التأزم التاريخي الذي صنعه نظام الاستبداد الأسدي، أباً وابناً، وتركه إرثا ثقيلا من الانقسامات والخوف وانعدام الثقة. وسوريا، إن أرادت النهوض، تحتاج إلى قادة حقيقيين، لا تجار أزمات، قادة يتبنون مواقف وطنية شجاعة، تعترف بالأخطاء، وتبني على المشترك، وتدرك أن لا مشروع أقوى من خريطة وطن واحد، موحّد، يتسع لجميع أبنائه.
لا مستقبل للأصوات النشاز، ولا مكان للخيانة مهما طال أمدها. فالأرض لأهلها، والدولة لأبنائها، وسوريا – بكل تنوعها – أكبر من أن تُختزل في جماعة، أو تُختطف باسم حماية زائفة. وما بين اندماج يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ووعي شعبي يتنامى، تتبدد أوهام التقسيم، وتبقى الحقيقة الأوضح: سوريا لن تُقسم، لأنها ببساطة لم تُخلق لتكون إلا واحدة.






