بدأت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (أندوف – UNDOF) يوم أمس بتفعيل حضورها الميداني عبر تسيير دوريات ليلية وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة في عدد من بلدات ريف القنيطرة الشمالي والجنوبي، في خطوة وُصفت بأنها غير اعتيادية قياساً إلى نمط عمل البعثة خلال السنوات الماضية، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول خلفيات هذا التحرك وتوقيته، وما إذا كان مقدمة لترتيبات أمنية جديدة أو استباقاً لاتفاق وشيك في المنطقة.
وبحسب التعميم الذي أصدرته قوات الأندوف وجرى توزيعه على أهالي بلدات جباتا الخشب، طرنجـة، أوفانيا، عين البيضة، والقرى المجاورة، فإن الدوريات الليلية ستُسيَّر يومياً اعتباراً من الساعة الحادية عشرة ليلاً وحتى الثالثة فجراً، مع إقامة نقاط تفتيش محددة، في إطار إجراءات تهدف – وفق بيان البعثة – إلى الحد من خروقات قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز سلامة المدنيين في ظل تصاعد التوترات الأمنية.
ودعت القوات الأممية الأهالي إلى الالتزام بتعليمات الدوريات وعدم التعرض لعناصرها أو عرقلة عملها، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي حصراً لحماية السكان والحفاظ على الأمن والاستقرار، وليس لاستهداف المدنيين أو تقييد حركتهم.
طلب محلي وتوتر متصاعد
أوضحت بعثة الأندوف أن هذا التحرك جاء بناءً على طلبات مباشرة من الأهالي ووجهاء المنطقة، في ظل تزايد الانتهاكات خلال الفترة الأخيرة، والتي شملت توغلات متكررة لقوات الاحتلال، إقامة حواجز مؤقتة، إطلاق نار، واعتقالات طالت مدنيين، إضافة إلى السيطرة على نقاط استراتيجية داخل الأراضي السورية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الدوريات الليلية لم تقتصر على ريف القنيطرة الشمالي، بل امتدت أيضاً إلى الريف الجنوبي، ولا سيما محيط بلدة الرفيد، ما يعكس توسيع نطاق عمل البعثة مقارنةً بالفترات السابقة التي كان حضورها فيها محدوداً ورمزياً في كثير من الأحيان.
تحرّك روتيني أم استباق لواقع أمني جديد؟
يثير هذا النشاط المكثف تساؤلات حول ما إذا كانت الأندوف تتحرك ضمن إطارها التقليدي فقط، أم أنها تستبق واقعاً أمنياً جديداً قد يُفرض في المنطقة. فالتزامن بين تكثيف الدوريات الأممية وبين تصاعد التوغلات الإسرائيلية، إلى جانب الحديث المتزايد عن تفاهمات أمنية غير معلنة في الجنوب السوري، يدفع مراقبين إلى الاعتقاد بأن الأمم المتحدة تحاول إعادة الإمساك بخطوط الفصل قبل حدوث أي تغييرات ميدانية أوسع.
ويرى متابعون أن تفعيل الدوريات الليلية قد يكون رسالة مزدوجة: الأولى موجهة للسكان المحليين لطمأنتهم، والثانية للتأكيد على حضور دولي فاعل في منطقة يُفترض أنها خاضعة لترتيبات واضحة منذ عقود، لكنها تشهد اليوم اختلالاً متزايداً في موازين الضبط.
خروقات مستمرة واتفاقية منتهكة
تأتي هذه التطورات في وقت تُسجَّل فيه خروقات إسرائيلية متكررة لاتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974، والتي تنص صراحة على منع وجود أي مظاهر مسلحة أو نشاط عسكري داخل المنطقة العازلة على خط وقف إطلاق النار مع الجولان السوري المحتل، وحصر مهام المراقبة بقوات الأمم المتحدة.
ورغم ذلك، تشير مصادر ميدانية إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي استولت فعلياً على تسع نقاط داخل الأراضي السورية منذ فترة، من بينها تلال استراتيجية وحاكمة مثل تل الأحمر الغربي وتل الأحمر الشرقي، التي تُشرف على مساحات واسعة من القرى والبلدات في ريفي القنيطرة ودرعا، ما يمنح الاحتلال أفضلية ميدانية ويقوّض جوهر الاتفاقية.
بين الطمأنة والحذر
في المحصلة، يُنظر إلى تحرّك الأندوف الحالي على أنه محاولة لإعادة تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وربما يعكس حجم القلق الإسرائيلي من ردة فعل السكان المحليين نتيجة الانتهاكات المتكررة و التدهور الأمني المتسارع – كما حدث في منطقة بيت جن – في منطقة يُفترض أنها من أكثر مناطق سوريا ضبطاً بموجب اتفاقات دولية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه الدوريات مجرد إجراء احترازي مؤقت، أم أنها مقدمة فعلية لإعادة ترتيب المشهد الأمني في الجنوب السوري، في ظل واقع ميداني يتغير بصمت، وتفاهمات قد تُرسم بعيداً عن أعين السكان الذين يدفعون ثمن هذا التوتر اليومي؟
- محمد جابر






