مع الإعلان عن تحرر سورية في الثامن من ديسمبر وسقوط النظام البائد، بدأت موجة واسعة من العائلات السورية المقيمة في أوروبا تعيد التفكير بخيار العودة إلى الوطن. غير أنّ ملف التعليم يبرز اليوم كأحد أكبر التحديات التي تقف أمام هذا القرار، في ظل التباين الكبير بين التعليم الأوروبي ونظيره السوري، وما يحمله هذا التباين من مخاوف لدى الأهالي بشأن مستقبل أبنائهم.
أربعة عشر عاماً من الاغتراب… وواقع تعليمي مختلف تماماً
منذ اندلاع موجات اللجوء قبل أربعة عشر عاماً، عاش السوريون في أوروبا حالة من التأقلم التدريجي مع المدارس الأوروبية وأنظمتها المتقدمة. وتشير تقديرات حديثة إلى أنّ السوريين في القارة الأوروبية يبلغ عددهم نحو مليون ومئتي ألف شخص، يشكّل الأطفال ما يقارب ثلثهم، فيما تحتضن ألمانيا وحدها ما يقارب المليون سوري.
وخلال هذه السنوات، تلقّى عشرات الآلاف من الأطفال السوريين تعليمهم وفق المناهج الأوروبية التي تعتمد على التفكير والتحليل والعمل الجماعي والمشاريع الرقمية. وبالمقابل، تراجع تعلّم اللغة العربية لدى العديد منهم إلى مستويات ضعيفة لا تمكّنهم من الكتابة أو القراءة بطلاقة، فيما أصبح بعضهم غير قادر على فهم المناهج السورية التقليدية.
العودة… بين الحنين للوطن وقلق الفجوة التعليمية
مع بدء الحديث عن العودة إلى سورية، ظهرت فجوة واضحة بين رغبة الأهالي بالعودة، وبين خشيتهم من عدم قدرة أبنائهم على الاندماج المدرسي.
وتروي “أم حازم”، المقيمة في ألمانيا، أنّ ابنتها من المتفوقات في المدرسة الألمانية، ورغم رغبتها العائلية بالعودة إلى سورية، إلا أنّ ابنتها مقبلة على الصف التاسع (الإعدادية)، ما يضع الأسرة أمام قرار صعب. تقول الأم:
“اللغة العربية تمثّل أكبر هاجس. ابنتي تواجه صعوبات في الإملاء والقراءة، والعودة قد تعني لها ضغطاً نفسياً كبيراً، وقد تؤثر على مستواها الدراسي.”
ولا يقتصر الأمر على اللغة، إذ يواجه الطلاب العائدون تحديات إضافية تتمثل في اختلاف العادات المدرسية وطرائق التعليم والتعامل بين المدرسين الأوروبيين والسوريين، إضافة إلى احتمالية تعرضهم للتنمر بسبب اختلاف اللهجة أو اللباس أو طريقة التفكير التي اكتسبوها خلال سنوات الوجود في أوروبا.
14 عاماً صنعت فجوة ثقافية وتعليمية
تشير ملاحظات تربوية إلى أنّ الطلاب السوريين في أوروبا يمتلكون شخصية تعليمية وثقافية مختلفة عمّا هو سائد في الداخل. فقد تعوّدوا على بيئات مدرسية تركز على حرية التعبير، والانفتاح، والتقييم المستمر، واستخدام التكنولوجيا، بينما تعتمد المدارس السورية على الحفظ والامتحانات الموحدة ومناهج اللغة العربية الصارمة.
هذا الاختلاف، في حال لم تتم معالجته، قد يؤدي إلى صدمة تعليمية ونفسية لدى الطلاب العائدين، إضافة إلى صعوبة اندماجهم مع أقرانهم داخل المدارس السورية.
التحدي أمام وزارة التربية… ضرورة وجود خطة وطنية
يرى مختصون في التربية أنّ الحكومة السورية مطالبة بوضع برنامج وطني شامل للتعامل مع الطلاب العائدين من أوروبا، يشمل:
-
برامج دعم مكثف للغة العربية
-
صفوف تقوية في المواد الأساسية
-
تدريب خاص للمعلمين للتعامل مع الحالات العائدة
-
توفير دعم نفسي لمنع التنمر وتسهيل الاندماج
-
تعديل مرحلي في طرق التقييم والاختبارات للطلاب العائدين
ويرى الخبراء أنّ نجاح عملية الاندماج مرهون بمدى استعداد النظام التعليمي لاستقبال هذه الشريحة الكبيرة من الطلاب.
سؤال مفتوح… وإجابات بانتظار التنفيذ
في ظل هذا الواقع المعقّد، يبقى السؤال مطروحاً أمام وزارة التربية السورية:
هل ستنجح الحكومة في إعادة دمج الطلاب العائدين من المدارس الأوروبية في النظام التعليمي السوري؟
سؤال كبير ينتظر إجابة عملية على الأرض، وليس مجرد تصريحات أو وعود.
- أ. محمد خليفة






