مليشيا الحرس الوطني في السويداء مع حكمت الهجري

تعيش مدينة السويداء حالة توتر غير مسبوقة داخل مناطق نفوذ مليشيا الهجري المعروفة باسم “الحرس الوطني”، وسط استنفار واسع لعناصرها، وحملة اعتقالات وتعامل مهين مع موقوفين، إلى جانب سلسلة حوادث أمنية واعتداءات طالت البنية التحتية وأهالي المنطقة.

وبحسب مصادر محلية من داخل السويداء، شهدت الطرقات والمداخل الرئيسة للمدينة، يوم أمس الجمعة 29 تشرين الثاني 2025، انتشاراً مكثفاً لعناصر المليشيا، مع إقامة حواجز وتسيير دوريات داخل الأحياء، بالتزامن مع حملة اعتقالات طالت ما لا يقل عن عشرة أشخاص، من بينهم رائد المتني وعاصم أبو فخر، وانتشر مقطع مصوَّر يُظهر تعرّض رائد المتني لتجاوزات وشتائم وإهانات لفظية من قبل عناصر تابعين لمليشيا الهجري خلال توقيفه، في مشهد أثار غضباً واسعاً على مستوى الشارع المحلي.

التوتر لم يقتصر على الاعتقالات وحملات المداهمة، إذ تتحدث مصادر ميدانية عن اشتباكات متقطعة اندلعت في بعض مناطق المحافظة، بالتوازي مع استهداف مقر لمليشيا “الحرس الوطني” بسقوط قذائف مجهولة المصدر، أسفر عن إصابات لم تُكشف تفاصيلها بعد، في ظل تكتم شديد من جانب قيادات المليشيا على طبيعة ما جرى وحجم الأضرار، وفي السياق نفسه، تعرض منزل وعائلة قائد أمن السويداء في الحكومة السورية، سليمان عبد الباقي، لتهجّم من قبل عناصر من مليشيا الهجري، في تطور يُظهر انتقال التوتر من مستوى الاحتكاك مع الأهالي إلى صدام مباشر معهم في المحافظة.

في خلفية هذه الأحداث، تتداول أوساط داخل السويداء روايات عن حالة “تمرّد داخلي” أو “شرخ متصاعد” في بيئة المليشيا ذاتها، مع تصاعد التذمر من تفرد حكمت الهجري وأتباعه في تقرير مصير المحافظة واحتكار الحديث باسمها، وتشير هذه المصادر إلى أن ما يجري لا ينفصل عن حديث متزايد حول خلاف حاد بين الهجري والمرجع الدرزي موفق طريف، بالتوازي مع اتهامات متداولة بحق سلمان بن حكمت الهجري بالتورط في سرقة أموال ومساعدات كانت مخصّصة لأهالي السويداء، وتضيف أن هذا المسار ترافق مع إغلاق كل أبواب الحل السياسي مع دمشق، وجرّ المحافظة إلى “التهلكة” والقطيعة مع الدولة، ورفض خريطة الحل السورية–الأردنية–الأميركية من قبل الهجري وأتباعه.

على المستوى الميداني، لا تبدو الصورة أفضل داخل مناطق سيطرة مليشيا الهجري، حيث تصاعدت المؤشرات على انفلات أمني واضح، فقد تعرّضت محوّلة كهرباء لعملية سلب وتخريب في واحدة من أحدث الضربات التي تطال البنية التحتية في المنطقة، لتضاف إلى حوادث أخرى جرى تسجيلها في وقت قصير، من بينها سلب سيارة، ومحاولة فاشلة لسلب أخرى، وقطع عدد من الأشجار المثمرة والتحطيب الجائر، كما ارتفع مستوى الجريمة في المحافظة، وشهدت الفترة الماضية عدة جرائم بحق مدنيين، ما ضاعف من قلق السكان على أمنهم وعلى الخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.

وتشير المصادر المحلية إلى أن هذه الحوادث لا يمكن فصلها عن نمط أشمل من “التجاوزات المنظَّمة”، إذ تقوم مجموعات مرتبطة بمليشيا “الحرس الوطني” بالاستيلاء على جزء من المساعدات الغذائية والمحروقات التي تقوم الدولة والمنظمات الإنسانية بإدخالها إلى المحافظة، وإعادة توزيعها أو التصرف بها خارج الأطر الرسمية، بما يهمش الشرائح الأكثر حاجة ويحوّل الموارد إلى أداة نفوذ وسيطرة، هذا السلوك، كما يرد في شهادات الأهالي، خلق فجوة متزايدة بين قطاعات واسعة من المجتمع المحلي وبين المليشيا التي كانت تقدِّم نفسها في مراحل سابقة على أنها “قوة حماية مجتمعية”.

في ضوء ما سبق، تبدو السويداء اليوم أمام مشهد مركّب: استنفار مسلح لمليشيا الهجري داخل المدينة، توتر مع قوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية، حوادث سلب وتخريب في مناطق نفوذ المليشيا، وانقسامات داخل بيئتها الحاضنة نفسها، كل ذلك يجري وسط مساعٍ رسمية، بدعم إقليمي ودولي، لإقرار مسارات تسوية واستقرار في الجنوب السوري، ما يجعل من هذا التصعيد رسالة ميدانية واضحة بأن القوى المسلحة المرتبطة بالهجري داخل المحافظة تختار المواجهة وفرض الأمر الواقع بدلاً من الانخراط في الحلول المطروحة.

حتى اللحظة، لا تزال الصورة النهائية لما يجري رهن ما ستكشفه الساعات والأيام المقبلة من تطورات ومواقف علنية، على صعيد مآلات التوتر الداخلي داخل مليشيا الهجري نفسها، لكن المؤكد أن استمرار هذا المسار، بمزيج من الفوضى الأمنية والصراع على النفوذ، يهدّد بتحويل السويداء إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، يدفع ثمنها أولاً وأخيراً أبناء المحافظة أنفسهم.

  • فريق التحرير

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top