أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أن المفاوضات مع سوريا وصلت إلى طريق مسدود بعد خلافات حادة حول الانسحاب من الجنوب السوري إسرائيل وفق ما ورد، لا ترغب في التوقيع على “اتفاق أمني” محدود، بل تسعى إلى “اتفاق سلام” شامل يضمن لها اعترافاً سياسياً ويُخرج العلاقة من إطار الترتيبات العسكرية المؤقتة إلى مسار التطبيع الدائم.
هذا الموقف يعكس رغبة تل أبيب في فرض واقع جديد، حيث لا تكتفي بترتيبات أمنية على الأرض، بل تريد صياغة علاقة سياسية كاملة تُشرعن وجودها وتُعيد تعريف حدود النفوذ في المنطقة.
في المقابل دمشق ترى أن أي اتفاق لا يعيد لها كامل السيادة على الجنوب هو انتقاص من حقها الوطني، ما جعل المفاوضات تتجمد وتدخل مرحلة انسداد، وسط رعاية أمريكية لم تنجح في تجاوز التعقيدات، بل أظهرت محدودية قدرة واشنطن على فرض تسوية في ظل توازنات إقليمية متشابكة.
السؤال الذي يطرحه المواطن السوري اليوم أبسط بكثير: هل سيعود الجنوب آمناً؟
هذا الجمود يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد الميداني، خصوصاً مع استمرار الغارات الإسرائيلية والاستنفارات العسكرية، ما يجعل الجنوب السوري ساحة مفتوحة على التوتر أكثر من كونه بوابة سلام. “الجنوب يغلي”
وفي الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات مع إسرائيل، اختارت دمشق أن تتحرك في اتجاه آخر عبر زيارة رسمية إلى بكين، انتهت ببيان مشترك حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، البيان أكد أولاً على مكافحة كل أشكال الإرهاب، وهو ما يضع سوريا والصين في موقع متقارب تجاه التهديدات العابرة للحدود.
كما شددت دمشق على أنها مهتمة بالشواغل الأمنية للصين، وأنها لن تشكل مصدر تهديد لها، بل لن تسمح لأي كيان باستغلال أرضها للإضرار بأمن الصين وسيادتها، في إشارة واضحة إلى ملف المقاتلين الأجانب الذي طالما أثار قلق بكين.
مصدر دبلوماسي سوري كشف أن دمشق وبكين تجاوزتا هذا الملف بشكل نهائي، حيث لن يكون هناك أي تسليم للمقاتلين الإيغور إلى الصين، بل سيتم دمجهم في المجتمع السوري وفق ترتيبات داخلية، بما يضمن معالجة القضية دون أن تتحول إلى ورقة ضغط أو ابتزاز سياسي.
هذا الموقف يعكس رغبة دمشق في طمأنة الصين من جهة، والحفاظ على سيادتها الكاملة في إدارة ملفاتها الأمنية من جهة أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام علاقة أكثر ثباتاً بين الطرفين.
البيان تضمن أيضاً تأكيداً سورياً على مبدأ “الصين الواحدة”، باعتبار تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وهو موقف ينسجم مع سياسة دمشق التقليدية في رفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للدول، ويعكس رغبة سوريا في تقديم أوراق اعتماد سياسية قوية لبكين.
في المقابل، أكدت الصين احترامها لاستقلال سوريا وسلامة أراضيها، واعتبرت أن الحكومة السورية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وهو تصريح يحمل وزناً كبيراً في ظل محاولات غربية لتقويض شرعية الدولة السورية.
كما دعمت بكين العملية السياسية في سوريا بقيادة الحكومة، وأكدت أن الجولان أرض سورية محتلة، وهو موقف يضع الصين في مواجهة مباشرة مع الموقف الإسرائيلي ويمنح دمشق سنداً دولياً إضافياً في ملف حساس.
هذا البيان لا يمكن قراءته بمعزل عن الجمود في المفاوضات مع إسرائيل. فبينما تتعثر المساعي الأمريكية–الإسرائيلية لفرض تسوية على دمشق، تنجح الأخيرة في فتح نافذة جديدة مع الصين، تُعيد من خلالها صياغة موقعها في المعادلة الدولية.
بكين بالنسبة لدمشق ليست مجرد شريك اقتصادي محتمل في إعادة الإعمار، بل أيضاً لاعب دولي قادر على موازنة الضغوط الغربية وفتح مسارات جديدة في ملفات الأمن والسيادة.
الصورة ليست وردية، لكنها تحمل فرصاً
الرسالة التي أرادت دمشق إيصالها واضحة: إذا كان المسار الغربي متعثراً، فإن الشرق الآسيوي مفتوح، وإذا كانت إسرائيل تراهن على فرض سلام مشروط، فإن سوريا تراهن على شراكات استراتيجية تُعيد لها أوراق القوة.
ماذا تريد سوريا من الصين وماذا تريد الصين من سوريا
سوريا وهي تدخل في مرحلة جديدة بعد سنوات الحرب، تبحث عن شريك دولي قادر على كسر العزلة الغربية وفتح أبواب إعادة الإعمار.
من “الصين” تريد دمشق الاستثمار في البنية التحتية، التكنولوجيا، والطاقة، إضافة إلى دعم سياسي في المحافل الدولية يوازن الضغوط الأمريكية والأوروبية فالصين بالنسبة لسوريا ليست مجرد ممول اقتصادي، بل مظلة سياسية تمنحها شرعية دولية وتعيد إدماجها في النظام العالمي من بوابة الشرق، كما أن دمشق تراهن على بكين لتكون شريكاً طويل الأمد في مشاريع التنمية، بعيداً عن الشروط السياسية التي عادة ما ترافق المساعدات الغربية.
أما الصين، فهي تنظر إلى سوريا كجزء من مبادرة الحزام والطريق، وكبوابة استراتيجية إلى شرق المتوسط. من دمشق تريد بكين ضمانات أمنية واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بملف المقاتلين الأجانب “الإيغور”، حيث أكدت سوريا أنها لن تسمح لأي كيان باستغلال أراضيها للإضرار بأمن الصين، بل ستدمج هؤلاء في المجتمع السوري بدلاً من تسليمهم، وهو ما يطمئن بكين بأن أراضي سوريا لن تكون مصدر تهديد لها.
إضافة إلى ذلك، الصين تريد من سوريا موقفاً سياسياً داعماً في القضايا الحساسة مثل تايوان، وقد حصلت عليه بالفعل عبر تأكيد دمشق على مبدأ “الصين الواحدة”. بكين أيضاً تستفيد من سوريا كحليف يرفض التدخلات الغربية، ويمنحها فرصة لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط عبر شراكة مع دولة ما زالت تحتفظ بقرارها السيادي رغم الضغوط.
بهذا الشكل، العلاقة بين الطرفين ليست مجرد تبادل مصالح آنية، بل هي تحالف استراتيجي يقوم على معادلة واضحة: سوريا تبحث عن سند اقتصادي وسياسي يعيد لها أوراق القوة، والصين تبحث عن شريك إقليمي يمنحها عمقاً جيوسياسياً ويؤكد حضورها كقوة عالمية في مواجهة الغرب.
هكذا تبدو الصورة اليوم: جمود في المفاوضات مع إسرائيل يهدد بفتح جبهة توتر جديدة في الجنوب، يقابله انفتاح على الصين يمنح دمشق فرصة لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي وبين هذين المسارين، يبقى السؤال: أي طريق ستختاره دمشق؟






