حافظ أحد حرفيي مدينة حلب على مهنة صناعة الفوانيس النحاسية، مستمراً في ممارستها منذ أكثر من أربعين عاماً، ناقلاً أسرارها من جيل إلى جيل، في مشغل تقليدي يعكس عبق التاريخ الحلبي وأصالته.
ويقول الحرفي خالد الحمدو في حديث لوكالة سانا إن المهنة تقوم على تجميع الفوانيس من النحاس والزجاج (البلور)، باستخدام مواد وأدوات بسيطة لكنها تحتاج إلى خبرة طويلة، مثل اللحام بالقصدير، واللصق، وتشكيل الصفائح النحاسية. ويشرح آلية العمل قائلاً إنهم يجلبون ألواح النحاس، ثم يتم قصّها وفق نوع الفانوس والتصميم المطلوب، لتُفرَّغ وتُشكَّل يدوياً، وتُدقّ السياخ وتُبرز الزخارف، قبل الانتقال إلى مرحلة التجميع بالقصدير.
وتأتي المرحلة الأخيرة بين خيارين: التلميع لإبراز اللون الذهبي اللامع للنحاس، أو التعتيق لمنح الفانوس طابعاً تراثياً قديماً ينسجم مع البيوت العربية التقليدية.
وأشار الحمدو إلى أن الفوانيس اليوم لم تعد مقتصرة على المنازل، بل أصبحت حاضرة في المطاعم والفنادق والمحال التجارية، حيث تضفي لمسة جمالية على المكان، ولا سيما في “الحوش العربي”، إذ يمنح الفانوس المكان روحاً دافئة ومنظراً أكثر سحراً.
ويُظهر الفيديو الذي نشرته سانا نماذج متعددة من الفوانيس النحاسية المزخرفة، بعضها مزين بزجاج ملون ونقوش إسلامية ودمشقية عريقة. كما يوثق مراحل التصنيع، بدءاً من تسخين المعادن على النار لتشكيلها، مروراً بالنقش اليدوي الدقيق باستخدام المطرقة والإزميل، وصولاً إلى تركيب الزجاج الملون وتجميع الأجزاء المعدنية، وانتهاءً بعملية التلميع النهائية.
ويبدو المشغل، بجدرانه الحجرية القديمة والفوانيس المتدلية من سقفه، شاهداً على تاريخ طويل من الحرفة اليدوية التي ارتبطت بالهوية البصرية لمدينة حلب وأسواقها العريقة.
فانوس رمضان تاريخياً
يُرجح أغلب اللغويين أن كلمة “فانوس” تعود جذورها إلى اليونانية، حيث كانت تشير إلى المصباح أو المشعل المضيء. ويعتقد أن الكلمة انتقلت إلى العربية عبر اللغة القبطية أو نتيجة الاحتكاك بالحضارة البيزنطية في مصر وبلاد الشام خلال العصور الرومانية المتأخرة والعهد الإسلامي المبكر. ويشير الجذر اليوناني “فان” إلى الضوء أو الظهور، ما يعكس وظيفة الفانوس كأداة إضاءة تحمي اللهب من الرياح.
مع مرور الوقت، استقر لفظ “فانوس” في العربية بصيغته الحالية، ليشير تحديداً إلى المصباح المحاط بغلاف يحمي اللهب، محافظاً بذلك على معناه الأصلي تقريباً. ومع ذلك، اكتسب الفانوس في الثقافة العربية، لا سيما في مصر، دلالة رمزية مرتبطة بشهر رمضان، فارتبط بالبهجة والاحتفال، وأصبح يُعرف غالباً باسم “فانوس رمضان”، وليس مجرد مصباح عادي.
وتشير الروايات التاريخية والشعبية إلى أن هذا التقليد يعود إلى الدولة الفاطمية في مصر. وذكرت الدكتورة إيناس محمد البهيجي في كتابها تاريخ الدولة الفاطمية: “سن الفاطميون عدة سنن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية عموماً والمصرية خصوصاً، وما زال المسلمون المصريون وغيرهم من المسلمين في الدول المجاورة يحيون هذه السنن، ولعل من أبرزها فانوس رمضان.”
وكان جوهر الصقلي قد دخل مصر على رأس الجيش الفاطمي في شعبان سنة 358 هـ/ يوليو 969م، بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، إثر ضعف الخلافة العباسية في بغداد والدولة الإخشيدية في مصر. ودخل الصقلي مصر دون مقاومة تُذكر، واتخذ من الفسطاط مقراً مؤقتاً، وشرع في تأسيس مدينة القاهرة لتكون عاصمة جديدة للدولة الفاطمية، إضافة إلى بناء قصر الخليفة والجامع الأزهر.
فوانيس رمضان في سورية
في سورية، ولا سيما في مدن مثل دمشق وحلب، ارتبط الفانوس بالبيوت العربية القديمة ذات الأفنية الداخلية (الحوش)، حيث كان يُعلّق للإنارة والزينة معاً. ومع مرور الزمن، أصبح جزءاً من طقوس الزينة الرمضانية، إلى جانب الزخارف والأهلة والأنوار.
وتتميّز الفوانيس السورية بطابعها الحرفي اليدوي، حيث تُصنع غالباً من النحاس المشغول يدوياً، مع زجاج ملون يحمل زخارف هندسية ونباتية مستوحاة من الفن الإسلامي. كما انتشرت صناعتها في الأسواق التراثية، مثل أسواق دمشق القديمة وحلب، لتلبية الطلب المحلي والسياحي.
الفانوس بين الإنارة والزينة
مع دخول الكهرباء، تراجعت وظيفة الفانوس كوسيلة إنارة أساسية، لكنه حافظ على حضوره كقطعة فنية وتراثية. واليوم، يُستخدم في المنازل والمطاعم والفنادق، ويزداد الطلب عليه في شهر رمضان، ليبقى رمزاً للضوء والبهجة والذاكرة الشعبية.
- بثينة الخليل






