لم تكن الشكوى واحدة، ولا الشاهد فرداً. خلال الأسابيع الماضية، تلقت “مؤسسة جولان الإعلامية” سلسلة إفادات من مراجعين في مديرية نقل القنيطرة تتحدث عن وجود سماسرة يدخلون يومياً بملفات جاهزة، تُنجز معاملاتهم خلال نصف ساعة، بينما ينتظر المواطن العادي أياماً، وأحياناً أسبوعاً كاملاً.
المرفق الخدمي الذي يُفترض أن يُدار بنظام الدور والمساواة، بات – وفق روايات متعددة – أقرب إلى “سوق خدمات” له تسعيرة غير معلنة، يديرها وسطاء من خارج المديرية، بمساعدة – كما يدعي المشتكون – بعض الموظفين في الداخل.
التحقيق التالي يستند إلى شهادات ميدانية، ومعاينة مباشرة، وتصريح رسمي من رئيس صالة المركبات في المديرية، السيد محمود المشيعل.
مسار مختلف… بين المواطن والسمسار
بحسب إفادات متطابقة من مراجعين، يدخل بعض أصحاب مكاتب السيارات – بوصفهم سماسرة – يومياً إلى المديرية حاملين 6 إلى 8 دفاتر مركبات.
أحد المراجعين يقول:
“السمسار بيفوت بدفاتر جاهزة، بعد نص ساعة بيطلع معاملاته مخلصة كاملة. نحنا منوقف من الصبح، ويمكن نرجع بدون نتيجة.”
المعطيات تشير إلى أن هذه المعاملات تُنجز خارج نظام الدور العادي، فيما ينتظر المواطن في الطابور أياماً بسبب “ضغط العمل” أو “توقف الشبكة”.
وعند سؤال رئيس صالة المركبات، السيد “محمود المشيعل”، عن سبب التأخير الذي قد يصل إلى أسبوع، أوضح:
“المعاملة إذا كانت مكتملة لا تتجاوز “ربع ساعة”. لكن عندنا أجهزة كمبيوتر تعبانة، والكهرباء تنقطع ساعة وتأتي ساعة، والنت ضعيف جداً وكل يوم و ثاني عندنا انقطاع بالشبكة… هذه كلها أسباب تؤدي إلى التأخير.”
“المشيعل” أكد أن المديرية:
“ليست بحاجة إلى معقّبي معاملات”، وأن كل مراجع “يمشي معاملته بإيده”
غير أن السؤال الذي يبقى عالقاً: إذا كانت المعاملات العادية تتأخر بسبب ضعف الشبكة والكهرباء، فكيف تُنجز دفاتر كاملة خلال نصف ساعة؟
“تسعيرة خطوط” بين الرسمي وغير المعلن
تتحدث الشكاوى عن وجود مبالغ إضافية تُدفع عبر السمسار مقابل تسريع أو تسهيل معاملات “الخطوط”، سواء:
-
خط عمومي داخلي
-
خط عمومي خارجي
-
خط لبنان
-
خط الأردن
ويقول أحد المراجعين:
“صار في تسعيرة لكل شي… خط لبنان أغلى من خط الأردن، وكأننا بسوق خضرة مو مديرية عامة.”
عند طرح مسألة التسعير على “المشيعل”، أوضح أن الرسوم الرسمية تُحتسب إلكترونياً وفق جداول معتمدة:
“عندنا جدول رسوم موجود، والحاسب يحسب أوتوماتيكي، لا تتدخل فيه اليد البشرية نهائياً.”
وأضاف أن اختلاف الرسوم يعود لطبيعة المركبة وسنة الصنع ونوع الاستخدام، مؤكداً:
“كل معاملة لها خصوصية… السياحية غير عن النقل، والموديل 2010 غير عن 2025.”
لكن التحقيق لم يجد لوائح تسعير معلّقة بوضوح داخل الصالة، كما لم تُعرض آلية حساب الرسوم بشكل تفصيلي أمام المراجعين، ما يفتح باب الالتباس بين الرسم الرسمي والمبلغ المدفوع فعلياً عبر الوسيط.
اتهامات باقتطاع مبالغ إضافية
أحد المراجعين ادعى اقتطاع مبلغ مالي إضافي لتيسير معاملة مركبته.
وعند مواجهة رئيس الصالة بالادعاء، أوضح أن بعض الفروقات في الرسوم قد تعود إلى أخطاء إدخال بيانات في المعابر، خاصة عند تصنيف المركبة (سياحية، فان، ميكروباص…)، مؤكداً:
“الخطأ وارد جداً… أحياناً يتم إدخالها سياحية بدل فان، فتقفز الرسوم من 600 ألف إلى مليون وسبعمائة. نحن أحياناً نعدلها عندنا حتى لا نغلب المراجعة.”
وأضاف أن هذه الأخطاء “مقبولة بالوزارة” وتُعالج وفق الصلاحيات المتاحة.
غير أن خبراء إداريين يرون أن غياب إشعار خطي يوضح سبب تعديل الرسوم أو اختلافها يضع المواطن في دائرة الشك، ويعزز الانطباع بوجود مسارات غير رسمية.
“الحلوان” عند البوابة
أكثر من شاهد تحدث عن وجود شبان على باب المديرية يطلبون “الحلوان” مقابل تسهيل الدخول أو تسريع الإجراء.
أحد المراجعين قال:
“على الباب في شبين بيقولوا: لا تنسونا من الحلوان.”
التحقيق لم يتمكن من توثيق حالة مباشرة أثناء الزيارة، لكن تكرار الإفادة في أكثر من شهادة يستدعي – وفق خبراء مكافحة الفساد – تدقيقاً إدارياً عاجلاً.
الفجوة بين الرواية الرسمية وشهادات الميدان
الرواية الرسمية تؤكد: وجود جدول رسوم معتمد إلكترونياً. عدم الحاجة لمعقّبي معاملات. الاستعداد لاستقبال أي شكوى مباشرة.
في المقابل، شهادات المراجعين تشير إلى: دخول يومي لوسطاء بملفات جاهزة. وإنجاز معاملات خارج نظام الدور. وجود مبالغ إضافية غير موثقة. تأخير معاملات عادية مقابل سرعة لافتة لمعاملات السماسرة.
التحقيق لم يثبت بحكم قضائي وجود رشوة مباشرة، لكنه رصد نمطاً متكرراً من الشكاوى يستوجب رقابة مستقلة
القضية في جوهرها لا تتعلق بمعاملة سيارة فحسب، بل بصورة المؤسسة العامة في وعي المواطن. حين يشعر المراجع أن حقه لا يُنجز إلا عبر وسيط، تتآكل الثقة تدريجياً، ويتحول المرفق الخدمي إلى مساحة شك دائمة.
مديرية نقل القنيطرة اليوم أمام اختبار الشفافية. فإما أن تُحسم الشبهات عبر رقابة واضحة وإجراءات معلنة، وإما أن تستمر الفجوة بين الرواية الرسمية وشهادات الميدان، بما يحمله ذلك من أثر مباشر على هيبة المؤسسات وثقة المواطنين بها.
خاتمة
تبقى مديرية نقل القنيطرة مؤسسة عامة يفترض أن تُدار وفق مبدأ تكافؤ الفرص. وبين اتهامات المراجعين وتأكيدات الإدارة، تظل الشفافية والرقابة العلنية الطريق الوحيد لحسم الجدل.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل ما يجري مجرد خلل تقني وإداري… أم أن “السوق” تسلل فعلاً إلى المديرية التي يُفترض أنها تخدم الناس بالتساوي؟
مؤسسة جولان الإعلامية تؤكد استعدادها لنشر أي رد إضافي من وزارة النقل أو الجهات الرقابية المختصة، التزاماً بحق الرد وحرصاً على عرض الصورة كاملة.
- محمد جابر






