في كل يوم، يُفتح باب المنزل السوري ليدخل منه شبحان: عتمة لا تنتهي، وجوعٌ لا يشبع. وما بينهما، يُحاصر المواطن بسؤالٍ وحيد: كم ستدفع اليوم لتبقى على قيد الحياة؟
هذا ليس استفهاماً فلسفياً، هي معادلة حياة جرى اختزالها إلى أرقامٍ حمراء على فواتير الكهرباء، وصولات سوقٍ فارغة، وخطابٍ رسمي يغسل يديه من وجع الناس. الدولة التي يفترض أن تكون حاميةً وترعى مصالح المواطن، تحوّلت في عيون مواطنيها إلى جهاز جباية ضخم، يطالب بالدفع أولاً، ويُوصي بالصبر ثانياً، وينهي الأمر بمطالبة الصمت.
خلال الأسابيع الماضية، جالت “مؤسسة جولان الإعلامية” في عدد من المدن السورية الجنوبية، واستطلعت آراء مواطنين، وعاملين، وتجار صغار، وموظفين سابقين، في محاولة لفهم سؤال بات يتكرر في الشارع أكثر مما يُطرح في الإعلام الرسمي:
أين الحكومة من حياة الناس؟
النتيجة ليست رأياً سياسياً خاصاً بنا، وإنما هي سردٌ يومي لمعاناة متراكمة، تتقاطع كلها عند نقطة واحدة: وزارات حاضرة بالاسم، غائبة بالفعل. من دمشق إلى السويداء، ومن درعا إلى القنيطرة، يروي الواقع اليومي قصةً واحدة: شعب يُقاسي، وآلة حكم تبرر.
في هذا التحقيق الميداني، نرصد كيف تُدار الدولة بالفواتير، وكيف يدفع السوري ثمن العجز الحكومي من كهربائه ولقمته وكرامته.
أولاً: الكهرباء.. حين تُسعَّر العتمة كأنها خدمة فاخرة
في بلد يعيش على ساعات تقنين قاسية، فوجئ السوريون بتسعيرة كهرباء لا تراعي الحدّ الأدنى من الحياة. وفق التسعيرة المعتمدة، يدفع المواطن 600 ليرة لكل كيلوواط حتى 300 كيلوواط، ثم يقفز السعر إلى 1400 ليرة لما فوق ذلك. حساب بسيط يكشف الفاجعة: منزل يستخدم الحد الأدنى للتدفئة والإنارة وبعض الأجهزة الأساسية يصل بسهولة إلى 450–500 كيلوواط شهرياً، ما يعني فاتورة تقارب نصف مليون ليرة.
المفارقة قاسية: التقنين مستمر، والتيار متقطع، ولكن الفواتير تصل بأرقام تصدم الأسر التي تعيش أصلاً على حافة العوز. كان الأجدى – كما يرى مختصون – أن تتحمل الدولة أول 200 كيلوواط لكل منزل مؤقتاً، وأن تشدد على سرقات الكهرباء قبل معاقبة الملتزمين.
(أبو سامر)، موظف من دمشق، يقول: “راتبي مليون ليرة، الكهرباء لحالها أخذت نصّه، ولسا ما دفعت مي ولا غاز ولا أكل. شو بدهم نعمل؟ ويادوبها أصلاً عم تجي”.
(أم محمد) من القنيطرة تقطن في جديدة عرطوز تضيف بتهكم: “بيقولوا وفّروا… كيف؟ أنا عندي سخان كهربا منشغله ساعة باليوم إذا شفناها للكهربا، وبراد، ولمبة. هاد صار ترف؟”.
في درعا، يعلّق (مدرس متقاعد): “الدولة بدل ما تلاحق السرقات الكبيرة بالعشوائيات، راحت حملتنا الفاتورة. نحن ندفع عن غيرنا على كم ساعة بتجينا الكهربا باليوم”.
(موظف حكومي) – السويداء: “الحد الأدنى للحياة صار يُحسب ترفاً. أنا ما عندي دفاية كهربا ولا أجهزة، ومع ذلك الفاتورة تأكل ثلث دخلي.”
(أ.م) مهندس: “مصدر المشكلة لا يقف عند التسعير فقط، بل عند شبكة مهترئة، واستجرار غير شرعي واسع، وغياب أي سياسة عادلة.”
تقييم الأداء – وزارة الكهرباء:
المشكلة لا تكمن في الحاجة إلى التمويل فقط، وإنما في غياب العدالة والشفافية. الوزارة تسعّر الاستهلاك دون أن تشرح للمواطن كيف يمكنه واقعياً العيش تحت هذا السقف. لم تُعلن دراسات واضحة حول متوسط الاستهلاك المنزلي الفعلي، ولم تبدأ بمعالجة الشبكات المتدهورة أو الاستجرار غير المشروع، بل قفزت مباشرة إلى الفاتورة. هذا النهج يحمّل المواطن البسيط كلفة فشل البنية التحتية، ويُسعّر الكهرباء قبل إصلاحها.
ثانياً: التموين وغلاء الأسعار.. رمضان بلا رحمة
مع اقتراب شهر رمضان، شهر الخير، ترتفع الأسعار بلا رقيب فعلي. سكر، رز، زيت، لحوم، كلها تقفز أسبوعياً، بينما بيانات وزارة التموين لا تتجاوز منشورات “تنويه وتحذير”.
في الأسواق، لا يحتاج المواطن إلى خبير اقتصادي ليدرك أن الأسعار منفلتة. يكفي أن يدخل دكاناً صغيراً ليكتشف أن دخله لا يساوي نصف حاجاته الأساسية.
وتعليقاً على هذا الموضوع يقول (أبو أحمد) من السويداء: “المراقب بيجي، بياخد صورة، وبيمشي. التاجر بيرفع السعر تاني يوم.”
(ه. ب)، سيدة من دوما، تروي: “رمضان صار كابوس، مو موسم عبادة. كل زيارة للسوق معناها دين جديد”
(أبو علي) – درعا البلد: “كل أسبوع سعر جديد. لا يوجد تسعيرة حقيقية، ولا رقيب فعال.”
(س. ح) ربة منزل – ريف دمشق: “رمضان يقترب، وأنا خائفة. كيف سأدبر أمور الشهر؟”
(ر.ع) متقاعدة – السويداء: “التموين موجود على الورق فقط. التاجر أصبح أقوى من الدولة.”
(م.ح) بائع صغير – من القنيطرة: “حتى نحن صرنا ضحية. نشتري بأسعار عالية ونبيع بنفس المنطق، والمواطن يكرهنا.”
تقييم الأداء – وزارة التجارة الداخلية:
المشكلة ليست في نقص المواد فحسب، وإنما في غياب الردع الحقيقي والرقابة الفاعلة. الوزارة تكتفي بالتصريحات الإعلامية، بينما يُدار السوق بمنطق الفوضى. لا يوجد تدخل مباشر حازم، ولا ضبط حقيقي، ولا حماية فعلية للطبقات الأضعف، خاصة قبل مواسم حساسة كشهر رمضان. التموين تحوّل من أداة حماية اجتماعية إلى نشرة تحذير بلا أثر.
ثالثاً: الإعلام الرسمي.. عندما يغيب الصوت عن الناس
وسط هذه الأزمات، يغيب الصوت الحكومي المقنع، فلا يجد المواطن من ينقل معاناته أو يعترف بها. الخطاب الرسمي يبدو بعيداً، جافاً، ومفصولاً عن واقع الناس. المواطن يسمع أرقاماً، لكنه يعيش واقعاً آخر. وزارة الإعلام فشلت في نقل المعاناة، وفشلت أكثر في الدفاع عن سياسات لا تُشرح ولا تُفهم.
وأثناء جولتنا كانت لنا هذه الشهادات:
(م.ع) موظفة – دمشق: “أشعر أن الإعلام يعيش في دولة أخرى.”
(س.ا) شاب جامعي – السويداء، باستهجان: “من أنا؟ هم من؟ لم أسمع مرةً صوتاً ينطق بلساني.”
(إ.ح) ناشط اجتماعي – درعا: “الناس تشتكي، والإعلام يبرر.. قمة التفاهة.”
(م.ف) صحفي مستقل – ريف دمشق: “هناك فجوة مخيفة بين الخطاب الرسمي والشارع.”
(ه.ح) صحفي شاب من دمشق يقول: “نحن نعرف الواقع أكثر من الوزراء. هم يحكوا بلغة بيانات، ونحن نعيش بلغة الوجع.”
تقييم الأداء – وزارة الإعلام:
الإعلام لم يفشل بسبب نقص الإمكانيات فقط، بل فشل لأنه يفتقد الجرأة والمهنية. لم ينقل معاناة الناس، ولم يكن جسراً بين المواطن وصنّاع القرار. تحوّل إلى أداة تبرير بدل أن يكون رقيباً ووسيطاً، وهذا أخطر أشكال الفشل الإعلامي.
رابعاً: الاتصالات خدمة تُحاسَب كرفاهية وتُقدَّم كعقوبة
إذا كانت الكهرباء تُثقِل كاهل السوري بالفاتورة، فإن الاتصالات تفعل ذلك مرتين: مرة بسوء الخدمة، ومرة بسعرها. في دمشق وريفها، وفي درعا والقنيطرة والسويداء، لم تعد الاتصالات أداة تواصل أو عمل، وإنما مصدر غضب يومي، وانقطاع متكرر، وشعور دائم بأن المواطن يدفع ثمن شبكة لا تعمل. ووزير الاتصالات، في عصر الثورة الرقمية، يتصرف كموظف هاتف أرضي في سبعينيات القرن الماضي. أيضاً كان للمواطن رأيه وشهادات من الواقع:
(ح.م) موظف حرّ – دمشق: “الإنترنت يقطع كل ساعة. أعمل أونلاين، أخسر زبائني، وأدفع فاتورة كأن الخدمة مستقرة.”
(ي.ص) طالبة جامعية – ريف دمشق: “محاضراتي أونلاين. الشبكة تنهار وقت الذروة، ولا أحد يعترف بالمشكلة”.
(ف.ق) تاجر صغير – درعا: “أدفع باقات، أشتري خطوطاً، وفي النهاية أتواصل عبر تطبيقات تحتاج إنترنت لا يأتي.”
(ق.م) موظف – مخيم الوافدين: “التغطية ضعيفة من الأساس منذ زمن النظام البائد بحجة سجن عدرا. مخيم الوافدين خارج الخدمة تماماً.. لا اتصالات ولا كهرباء ولا ماء. الإنترنت لم نتعرف عليه بشكله الحقيقي بعد، وندفع على شبكة بالكاد تصل.”
(ه.ن) موظفة – السويداء: “الاتصالات صارت مثل الكهرباء: ادفع أولاً، واصبر لاحقاً.”
تقييم الأداء – وزارة الاتصالات:
المشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل إدارية وتنظيمية. الوزارة تفرض تسعيراً مرتفعاً على خدمات غير مستقرة، دون أن تقدّم بيانات شفافة عن جودة الشبكات، أو خطط تحسين واضحة بزمن محدد. لا اعتراف رسمي بحجم الأعطال، ولا تعويض للمشترك عن الانقطاعات، ولا بدائل عملية في ساعات الذروة. الأسوأ أن الاتصالات تُعامل كسلعة ربحية قصيرة النظر، لا كبنية أساسية للاقتصاد والتعليم والعمل.
في بلد يعتمد متزايداً على الخدمات الرقمية، يصبح هذا الأداء إعاقة مباشرة للإنتاج، وليس مجرد سوء خدمة. قبل أي رفع أسعار أو طرح باقات، كان الأجدر معالجة التغطية، وتوسيع السعات، ومحاسبة المقصّرين، وربط التسعير بجودة فعلية قابلة للقياس. ما يحدث الآن يُحمّل المواطن كلفة شبكة لم تُصلَّح، ويطالبه بالصبر على أعطال لم تُفسَّر.
الخلاصة:
ما رصدته “مؤسسة جولان الإعلامية” ليس تفاصيل متفرقة، بل نمطاً متكاملاً لإدارة الدولة: قرارات بلا دراسة واقعية، وتسعير بلا عدالة، وخطاب بلا إنسانية، وثقافة بلا روح.
السوري يطالب بحدٍّ أدنى من الإنصاف، ولا يطلب المعجزات. لكن عندما تُدار الدولة كفاتورة، يصبح المواطن دائماً هو الخاسر. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
هل المطلوب من السوري أن يتحمّل فقط، أم أن هناك من سيتحمّل المسؤولية يوماً؟
- أحمد محمد العمر






