لم يكن الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف مجرد خطوة ميدانية عابرة، بل جاء ليعكس تحوّلاً استراتيجيًا في طبيعة الصراع على الأرض السورية وفي حسابات القوى الدولية.
فهذه القاعدة، التي أُنشئت عام 2014 لتكون مركزاً رئيسياً لعمليات التحالف ضد تنظيم داعش، مثّلت طوال سنوات نقطة ارتكاز للوجود الأمريكي في قلب البادية السورية، عند المثلث الحدودي مع الأردن والعراق. واليوم، مع مغادرة القوات الأمريكية وتسليم القاعدة للجيش السوري، تدخل المنطقة مرحلة جديدة تحمل في طياتها أبعاداً عسكرية وسياسية وقانونية واقتصادية، تجعل من هذا الحدث علامة فارقة في مسار الحرب على الإرهاب وفي مستقبل سوريا الإقليمي.
من الناحية العسكرية، يعني تسليم القاعدة أن دمشق باتت تتحمل المسؤولية المباشرة في مواجهة تنظيم داعش، وهو اختبار لقدرتها على ضبط الحدود وإدارة ملف أمني شديد التعقيد.
أما سياسياً، فإن واشنطن تبدو وكأنها تترجم ما دار في جلسة الكونغرس الأخيرة إلى واقع عملي، حيث حمّلت الحكومة السورية مسؤولية مواجهة الإرهاب، متخلية عن عبء المواجهة المباشرة، لكنها أبقت على حضورها في الأردن لتظل قادرة على المراقبة والتدخل عند الحاجة.
هذا التحول يعكس رغبة أمريكية في إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، وتخفيف الكلفة الميدانية دون التخلي عن النفوذ الاستراتيجي.
إلى جانب ذلك، يطرح الانسحاب بعداً قانونياً ودبلوماسياً مهماً، إذ إن وجود القوات الأمريكية في سوريا لم يكن قائماً على تفويض رسمي من الحكومة السورية أو قرار أممي واضح، بل على مبررات مكافحة الإرهاب.
تسليم القاعدة للجيش السوري يمكن أن يُقرأ كتصحيح لمسار قانوني، أو على الأقل كإقرار ضمني بشرعية دمشق في إدارة أراضيها. هذا البعد يفتح الباب أمام احتمالات تعاون أو تفاهمات جديدة بين سوريا والتحالف الدولي، ويمنح الحكومة فرصة لتعزيز روايتها بأنها الطرف الشرعي القادر على مواجهة التحديات الأمنية.
ولا يقل البعد الاقتصادي والاجتماعي أهمية عن ذلك، فقاعدة التنف تقع في منطقة المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وهي عقدة حيوية لخطوط النقل والتجارة والطاقة. وجود القوات الأمريكية كان يحدّ من حركة العبور ويجعل المنطقة شبه مجمدة اقتصادياً، أما انسحابها فقد يتيح فرصاً لإعادة تنشيط هذه المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يضع تحديات أمام دمشق لضبط الأمن ومنع تحوّلها إلى ممر غير منضبط للجماعات المسلحة أو شبكات التهريب. بهذا المعنى، يصبح نجاح الجيش السوري في إدارة القاعدة اختباراً مزدوجاً، ليس فقط عسكرياً بل أيضاً اقتصادياً وتنموياً.
في المحصلة، يمثل انسحاب القوات الأمريكية من التنف تحولاً استراتيجياً يعكس رغبة واشنطن في إعادة ترتيب أولوياتها، وتحميل دمشق مسؤولية مواجهة داعش. لكنه أيضاً يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين سوريا والتحالف الدولي، ويضع الحكومة السورية أمام فرصة لتعزيز شرعيتها، وفي الوقت نفسه أمام تحديات جسيمة تتعلق بالأمن والاقتصاد والقانون الدولي. إنه حدث يختصر لحظة انتقالية في المشهد السوري، حيث يصبح الجيش السوري الفاعل الأساسي في مواجهة الإرهاب، فيما تكتفي واشنطن بدور المراقب والداعم من بعيد، تاركة للساحة السورية أن تثبت قدرتها على إدارة هذا الملف المعقد بكل أبعاده.
- بلال محمد الشيخ






