لم تكن الخيانة في سوريا لحظة عابرة أو منعطفاً أخلاقياً طارئاً في تاريخها. كانت مشروعاً مُمنهجاً تأسّس منذ أن نظر حافظ الأسد إلى الوطن كـغنيمة حرب وليس كعقد اجتماعي شامل، أو كمشروع جماعي. لقد حوّل حافظ الأسد الدولة من فكرة تُجسّد تطلعات الشعب إلى قلعة مُحصنة، يُدافع عنها بكل شراسة حتى لو كان الثمن هو الأرض نفسها، وحتى لو كان الضحية هو الإنسان السوري، ولو تناقض ذلك مع أبسط قواعد المنطق والإنسانية.
في قلعته القمعية، قام بتأسيس نظامٍ استبدادي، أنشأ آلة خيانة كاملة: تبدأ بخيانة الوطن حين حوله ملكاً لفرد، ثم خيانة للشعب حين حوله إلى رهينة، و انتهاء بالأخلاق حين سُوّغ القتل باسم البقاء.
إذن: هي قصة تأسيس لانحراف أصبح نظاماً. نظام كُتبت أولى سطوره بدماء السوريين، وما زالوا يدفعون ثمنه حتى اليوم. منذ استيلائه على السلطة عام 1970، تعامل الأسد الأب مع سوريا كمساحة مقايضة دائمة وليس ككيان سيادي، يعني: أمن مقابل سكوت، وبقاء مقابل تنازل، وشرعية خارجية مقابل خيانة داخلية.
الخيانةُ الجوهرية الأولى لم تكن في السجون ولا في القتل، كانت تلك الطعنة التي غُرست في خاصرة الوطن: التنازل عن الجولان. كانت الصفقة التي كشفت أن الأرض، كالشعب، قابلة للتضحية والبيع مقابل حكم يدوم طويلاً. بهذه الخيانة الجغرافية وَضَع حافظ الأسد مقياساً جديداً للوطنية: لا تكون وطنياً إلا إذا تخليت عن الوطن حين تستلزم مصلحة النظام ذلك.
الجولان لم يُسترد ببساطة لأنه لم يُرَد له أن يُسترد، أرض احتُلت عام 1967 في ظل وزير دفاع لم يطلق رصاصة، ثم جُمّدت جبهتها نصف قرن، لا حرب ولا سلام، لا تحرير ولا حتى محاولة. لقد تحوّل إلى عربون اعتماد: “أنا أضبط الجبهة، فامنحوني الحكم”.
من هذه اللحظة، ترسخت فكرة خطيرة: التفريط بالسيادة ممكن إذا كان ذلك يخدم الحكم، وقمع الناس مشروعاً إذا كان يحمي النظام. هكذا تأسست دولة تُدار بالخوف، وتُضبط بالقوة، وتُبرر أفعالها باسم الاستقرار، فيما كانت في جوهرها تخون الأرض والشعب معا. لنصل إلى حقيقة كرّستها الوقائع: هدوء مطلق، مقابل سلطة مطلقة
بعدها جاءت الخيانة الثانية أكثر دمويّة: تحويل الشعب إلى عدو.
في حماة، تمردت المدينة على السلطة، وخرجت في وجه نظامها تُذكّر بالدور الحقيقي للدولة.. فتحولت الدولة من حاميةٍ إلى جلَّاد، من جهة استخدمت أقذر انواع الأساليب في القتل كأداة من أجل إخماد التمرد عليها، ومن جهة أُخرى ارسلت رسالة للبقية “دمكم في أيدينا”.. كانت المدينة مذبحة مُتعمَّدة لفكرة الوطن نفسه. لم يُسحقْ فيها البشر فحسب وإنما دُفنت معهم فكرة أن للدماء قيمة.
ومن ركام حماة، وُلدت اللغةُ الأكثر دموية: “الإرهاب” كسكينٍ جاهزٍ يُطعن به أيّ صوت. صار القتل مبدأً، والاتهام إعداماً مسبقاً، والسلطة تلتهم شعبها باسم حمايته. لنفهم بعدها مصطلح “انتحار الدولة” على أصوله كنتيجة لقسوة نظام.
فهم الغرب ذلك جيدا، وقَبل الصفقة: نظام يقتل شعبه بوحشية، مقابل استقرار حدود، وتبادل معلومات، وخدمة مصالح.
ثم جاء الابن كـ استمرار بيولوجي للخيانة. بشار الأسد أكمل المهمة.. تصفية حساب مع المجتمع، أربعة عشر عاماً من الحرب لم تكن دفاعا عن الدولة. ثلثا مدة حكمه تقريبا قضاها في قتل، وتهجير، وتدمير ممنهج، ثم الوقوف أمام العالم بوجه بارد ليقول: “أنا الخيار الأقل سوءا“. لتبلغ الخيانة ذروتها: بتحويل الجريمة إلى ضرورة، واعتماد المجازر كخيار عقلاني.
الأخطر من السلطة، هم ورثتها النفسيون. أولئك الذين ما زالوا يدافعون عن حافظ وبشار، هؤلاء أخطر من الطغاة أنفسهم، هم الورثة الأصيليين للخيانة. يدافعون عن الأنظمة الخائنة: لأن الخيانة قد صارت مورد رزق لهم، سلطة ترفعهم، ومالاً يغنيهم، وانتماء طائفياً يساعدهم على إثبات المظلومية من أجل طلب الحماية الخارجية. هؤلاء يحرسون امتيازاً وجودياً: حقَّ المشاركة في الجريمة دون تحمُّل ثمن الضحيّة. انتماؤهم للنظام هو انتماء لجريمة منظَّمة، يتوارثونها كإرث مقدّس. يبررون القتل لأن القتيل “ليس منهم”، ويبررون الاستبداد لأن البديل “لا يشبههم”، ويمنحون الجلاد صك الوطنية فقط لأنه قتل خصومهم الفكريين.
وهنا نصل إلى الخيانة بنسختها الأحدث وتيار “الهجري” وأتباعه في السويداء مثالها الحي: الخيانة المتديّنة، أو الأخلاقية زيفاً. هذه هي الخيانة بثوبها الجديد أن تُقنع أبناء طائفتك أن الخوف من أخيهم السوري يبرّر الاتجار مع العدو الإسرائيلي. أن تبيع وحدة الوطن ثمناً لحماية مزعومة، كما بيع الجولان ذات يوم ثمناً للسلطة. إنها خيانة مزدوجة: للوطن بالتعامل مع محتله، وللطائفة بتقديمها ضحية لكره الآخرين. “الهجري” وأمثاله لا يبنون ملاذاً، هم يحفرون قبراً لعزلتهم. يدفعون ثمناً لا يملكونه: تماسك الشعب، ومستقبل الطائفة التي يُعرّضونها لرياح الانتقام.
هكذا تتوارث الخيانة: من تنازل عن الأرض إلى تنازل عن الشعب. من يمارسها اليوم لا يختلف عن سابقيه، كلاهما يختزل الوطن إلى سلعة، والأخلاق إلى تبرير، والدم إلى ثمن مقبول.
في النهاية الخيانة صارت لغة مشتركة للباحثين عن السلطة. من باع الجولان، إلى من دمّر حماة، إلى من أحرق البلاد أربعة عشر عاماً، وصولاً إلى من يبرر كل ذلك اليوم بحجة الخوف أو الطائفة أو “الواقعية السياسية”. كلهم يقفون في الصف ذاته، حتى لو اختلفت الأزياء والشعارات.






