مخيم خربة الجوز

في شمال غرب سوريا، وتحديداً في مخيم خربة الجوز، اجتاحت مياه الأمطار الغزيرة عشرات الخيم، لتترك مئات النازحين بلا مأوى في قلب الشتاء القارس. المشهد كان صادماً؛ أطفال يركضون بين برك الطين، نساء يحاولن إنقاذ ما تبقى من الأغطية والمواد الغذائية، ورجال يرفعون الخيم الممزقة بأيديهم العارية. الطبيعة القاسية كشفت هشاشة البنية المؤقتة التي يعيش فيها هؤلاء منذ سنوات، وأعادت إلى الواجهة مأساة النزوح التي لم تجد حلولاً جذرية حتى اليوم.

الفيضانات لم تقتصر على تدمير المساكن المؤقتة، بل أدت إلى انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية نتيجة الرطوبة وانعدام وسائل التدفئة. العائلات التي فقدت خيمها وجدت نفسها في العراء، بلا سقف يحميها من المطر ولا جدار يصد عنها الرياح. الأطفال كانوا الأكثر عرضة للخطر، فيما غابت الخدمات الطبية والإغاثية الكافية عن المنطقة، لتتحول الأزمة إلى مأساة إنسانية متكاملة الأبعاد.

رغم حجم الكارثة، فإن الاستجابة الحكومية والخدمية كانت شبه معدومة. لم تصل فرق إنقاذ أو دعم فعّال، واقتصرت المساعدات على جهود فردية من بعض المنظمات المحلية والمتطوعين. هذا الغياب يعكس تقصيراً واضحاً من الجهات المسؤولة، التي لم تضع خطط طوارئ للتعامل مع الكوارث الطبيعية المتكررة في المخيمات. واللوم هنا لا يقتصر على غياب التدخل العاجل، بل يمتد إلى سنوات من الإهمال التي تركت آلاف النازحين عرضة لكل موجة مطر أو عاصفة.

المأساة لا تقتصر على المخيم وحده، فالقرى المحيطة بخربة الجوز تعاني أيضاً من شح الخدمات الأساسية. ورغم قربها من الحدود التركية، حيث يمكن بسهولة إيصال الكهرباء والإنترنت على الأقل، إلا أن هذه القرى ما زالت محرومة من أبسط مقومات الحياة. هذا الحرمان يطرح أسئلة مؤلمة حول غياب الإرادة السياسية والإدارية لتأمين احتياجات الناس، ويكشف عن فجوة كبيرة بين الإمكانيات المتاحة والواقع المفروض على السكان.

الفيضانات في خربة الجوز  هي نتيجة مباشرة لغياب التخطيط والإهمال المستمر من المسؤولين. كل شتاء يتكرر المشهد ذاته، وكل عام تُترك العائلات لتواجه الطبيعة وحدها، بلا حماية ولا دعم. إن استمرار هذه الكوارث يضع المسؤولين أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية كبرى، ويستدعي مراجعة جادة لسياسات التعامل مع النازحين والقرى الحدودية. فالكهرباء والإنترنت، أضعف الإيمان، يمكن أن تُنقل بسهولة، لكن يبدو أن الإرادة غائبة، والنتيجة مأساة تتجدد مع كل قطرة مطر.

ما حدث في خربة الجوز يعكس أزمة إنسانية متواصلة، حيث يواجه النازحون الطبيعة بلا سند، فيما تغيب الدولة عن واجبها في حماية مواطنيها. وبين الخيم الممزقة والقرى المحرومة، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى سيظل النازحون في مواجهة المطر وحدهم، وإلى متى سيبقى الإهمال هو العنوان الأبرز في إدارة الكوارث؟

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top