سوريون يرفعون علم بلادهم في ساحة الأمويين بدمشق

مع كل فعالية تُقام في دمشق أو غيرها من المحافظات السورية، ومع كل معرض يُسجّل نجاحاً تنظيمياً أو إعلامياً، يظل سؤال الحضور والتمثيل قائماً: من يشارك؟ ومن يُغيب؟. في المشهد الأخير، برزت مشكلة مؤلمة لا يمكن تجاهلها: غياب رجالات الثورة الأوائل، أولئك الذين حملوا على أكتافهم بدايات الحراك، وصاغوا بوعيهم وتجاربهم ذاكرة الثورة الحقيقية.

الكثير من الناشطين والزملاء لا زالوا يقيمون اليوم في الشمال السوري حيث الخيام التي تحكي آلام وآمال الشعب. الظروف المعيشية القاسية لا تسمح لهم بتحمل تكاليف السفر إلى دمشق أو المبيت ليلة واحدة في فندق. هذا الغياب ليس خياراً، بل تغييب قسري فرضته المعاناة اليومية في سبيل تأمين لقمة العيش. فالمشاركة في الفعاليات الاجتماعية والسياسية أصبحت ترفاً وحكراً على ذوي الدخل المرتفع والتجار.

لقد أصبح النشاط السياسي والاجتماعي في العاصمة حكراً على من يملك المال والنفوذ، وكأن المشاركة في الشأن العام تحولت إلى امتياز طبقي لا يُتاح إلا للقادرين على دفع ثمن بطاقات الدعوة أو تكاليف المواصلات والإقامة. في المقابل، رجال الثورة الأوائل الذين ضحوا بسنوات عمرهم وكرّسوا حياتهم لقضية الشعب، يجدون أنفسهم اليوم يستجدون دعوة أو يبحثون عمّن يغطي لهم أجرة الطريق. هذا المشهد يعكس خللاً عميقاً في بنية الفعاليات، ويحوّلها من منابر وطنية جامعة إلى ساحات مغلقة أمام الفقراء والمهمشين.

كما أن غياب الأحزاب السياسية والتجمعات الوطنية خلق فراغاً واسعاً في ميدان السياسة، وأدى إلى أزمة مالية خانقة لا يستطيع الفرد تحمل عبء المشاركة فيها. فبدون مؤسسات سياسية حقيقية، يتحول النشاط العام إلى مبادرات فردية متقطعة، يسيطر عليها أصحاب المال والإعلام، بينما يُقصى عنها أصحاب التجربة والذاكرة الثورية. هذا الفراغ لا يضعف فقط الحضور السياسي للثورة، بل يهدد بتحويلها إلى مجرد حدث ثقافي موسمي، بعيد عن جوهرها كحركة تغيير اجتماعي وسياسي.

غياب أصحاب التجربة الحقيقية يفتح الباب أمام فراغ خطير، قد يُملأ ببقايا فلول أو أصوات لا تمثل الثورة ولا تضحياتها. هذا لا يهدد فقط مصداقية الفعاليات، بل يهدد أيضاً الذاكرة الجمعية للثورة، إذ يُستبدل الشهود الحقيقيون بأصوات سطحية متسلقة، مما يخلق صورة مشوهة عن جمهور الثورة السورية.

في هذا السياق، كتب الدكتور معتز الخطيب، أستاذ الأخلاق والفلسفة في جامعة حمد بن خليفة، على صفحته في فيسبوك:
 “يُفتَرض بـ’معرض الكتاب’ أنه حدث ثقافي يعكس الحالة الفكرية والعلمية وينشّطها، لأنه يصل بين القارئ والمؤلف والناشر. ولكنه في دمشق بعد الأسد يشبه معرض دمشق الدولي مع اختلاف البضاعة، إذ هيمن عليه المؤثرون وصنّاع المحتوى. إنها دولة المؤثرين التي بدأت ترث دولة المطبلين.”

كما صرّح الدكتور محمد نور حمدان، أستاذ الفقه الإسلامي في جامعة غازي عينتاب:

 “مع الأسف نفس الشخصيات تحضر جميع الفعاليات العسكرية والسياسية والعلمية والأكاديمية والاجتماعية…”

وكتب الدكتور ياسر تيسير العيتي، رئيس تيار سورية الجديدة، عبر صفحته في فيسبوك:

 “سألني: لماذا لم نرك في حفل الافتتاح؟ أجبته مازحاً: ما دعيت لأنو ما لي علاقة لا بالثقافة ولا بالفكر ولا بالكلمة ولا بالكتاب :)”

أما الكاتب محيي الدين اللاذقاني فقد علّق بحدة على حضور بعض الشخصيات المثيرة للجدل قائلاً:

 “ماذا يفعل ياسر أبو هلالة في معرض دمشق الدولي للكتاب؟… وجود من أهانوا الشعب السوري في أول معرض كتاب بعد النصر والتحرير سقطة كان بالإمكان تلافيها، لأن الثقافة الحقيقية تحتاج شجاعة ونبلاً وثباتاً على المواقف الإنسانية أكثر من حاجتها لمنافقين موسميين.”

وفي سياق متصل، كتب عالم الرياضيات السوري الدكتور جمال عبدالرحيم أبو الورد من مدينة بورصة – تركيا:

“يتساءل الكثير من السوريين عن عدم دعوتي إلى معرض الكتاب الدولي الذي أُقيم في دمشق مؤخرًا، وعن عدم دعوتي إلى أي فعالية وطنية أو فكرية أو علمية في سورية بعد التحرير… ما بعد التحرير ليس حدثاً عابراً، بل اختبار حقيقي لطريقة التفكير: هل تتقدّم الكفاءة؟ أم يُعاد ترتيب المشهد بذات الذهنيات القديمة؟ التحرير الحقيقي هو أن يُنصت للعقل، وأن تتقدّم المعرفة دون إذن، وأن تُبنى سورية بالعقول التي تفكّر لا بالاعتياد الذي يقيّدها.

هذه الأصوات المتعددة – الفكرية والأكاديمية والسياسية والإعلامية – تكشف أن المشكلة ليست فقط في تغييب رجالات الثورة الأوائل، بل أيضاً في استدعاء وجوه لا تمثل الثورة ولا تضحياتها، مما يضاعف خطر تشويه الذاكرة الجمعية ويحوّل الفعاليات إلى منصات لتلميع صورة السلطة أو نخبة جديدة من “المؤثرين”.

من حق رجالات الثورة الأوائل أن يكونوا حاضرين، أن تُسمع أصواتهم، وأن تُكرم تضحياتهم. فالثورة ليست حدثاً عابراً، بل ذاكرة ومسؤولية أخلاقية، وأي تغييب لهم هو تقصير بحقهم وبحق الأجيال القادمة التي تحتاج إلى أن ترى وتسمع من عاش التجربة بكل تفاصيلها.

نجاح أي معرض أو فعالية لا يُقاس فقط بعدد الحضور أو حجم التغطية الإعلامية، بل بمدى قدرتها على تكريم من صنعوا الفكرة وأسسوا الطريق. المطلوب اليوم هو التفكير بآليات عملية تضمن حضور هؤلاء الرواد، سواء عبر دعم مالي لتغطية تكاليف سفرهم، أو عبر تنظيم فعاليات موازية في أماكن وجودهم، أو حتى عبر نقل صوتهم مباشرة إلى المنابر المركزية.

وعليه فإنّ الثورة ليست ملكاً لأحد، لكنها أمانة في أعناق الجميع. إن تغييب رجالاتها الأوائل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج روايات مشوهة، ويمنح الفرصة لفلول الماضي كي يملأوا الفراغ. تكريم هؤلاء الرواد ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو شرط أساسي لحماية ذاكرة الثورة وضمان استمرارها كقوة حية في وجدان الشعب.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top